النساء : 5 ] ، ورجل له على رجل دين ولم يشهد عليه به ) . قال أبو بكر : وقد روي هذا
الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وروى جويبر عن الضحاك : ( إن ذهب حقه لم يؤجر وإن
دعا عليه لم يجب ، لأنه ترك حق الله وأمره ) . وقال سعيد بن جبير : ( وأشهدوا إذا
تبايعتم ) يعني : وأشهدوا على حقوقكم إذا كان فيها أجل أو لم يكن فيها أجل ، فأشهد
على حقك على كل حال . وقال ابن جريج : سئل عطاء : أيشهد الرجل على أن بايع
بنصف درهم ؟ قال : نعم هو تأويل قوله تعالى : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) . وروى مغيرة
عن إبراهيم قال : ( يشهد لو على دستجة بقل ) . وقد روي عن الحسن والشعبي : ( إن شاء
أشهد وإن شاء لم يشهد ، لقوله تعالى : ( فإن أمن بعضكم بعضا ) ) وروى ليث عن
مجاهد : ( أن ابن عمر كان إذا باع أشهد ولم يكتب ) ، وهذا يدل على أنه رآه ندبا ، لأنه لو
كان واجبا لكانت الكتابة مع الإشهاد ، لأنهما مأمور بهما في الآية .
قال أبو بكر : لا يخلو قوله تعالى : ( فاكتبوه ) إلى قوله تعالى : ( واستشهدوا
شهيدين من رجالكم ) وقوله تعالى : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) من أن يكون موجبا للكتابة
والإشهاد على الديون الآجلة في حال نزولها ، وكان هذا حكما مستقرا ثابتا إلى أن ورد
نسخ إيجابه بقوله تعالى : ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) ، أو أن
يكون نزول الجميع معا ، فإن كان كذلك فغير جائز أن يكون المراد بالكتابة والإشهاد
الإيجاب ، لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا في شئ واحد ، إذ غير جائز نسخ الحكم
قبل استقراره . ولما لم يثبت عندنا تاريخ نزول هذين الحكمين من قوله تعالى :
( وأشهدوا إذا تبايعتم ) وقوله تعالى : ( فإن أمن بعضكم بعضا ) وجب الحكم بورودهما
معا ، فلم يرد الأمر بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا بقوله تعالى : ( فإن أمن بعضكم بعضا
فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) فثبت بذلك أن الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب . وما
روي عن ابن عباس من أن آية الدين محكمة لم ينسخ منها شئ ، لا دلالة فيه على أنه
رأى الإشهاد واجبا ، لأنه جائز أن يريد أن الجميع ورد معا ، فكان في نسق التلاوة ما
أوجب أن يكون الإشهاد ندبا ، وهو قوله تعالى : ( فإن أمن بعضكم بعضا ) . وما روي
عن ابن عمر أنه كان يشهد ، وعن إبراهيم وعطاء أنه يشهد على القليل ، كله عندنا أنهم
رأوه ندبا لا إيجابا . وما روي عن أبي موسى : ( ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم :
أحدهم من له على رجل دين ولم يشهد ) فلا دلالة على أنه رآه واجبا ، ألا ترى أنه ذكر
معه من له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ؟ ولا خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة
سيئة الخلق أن يطلقها ، وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط والتوصل
إلى ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص . ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر
أحكام القرآن — صفحة 584
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٤