رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله يوم لا ظل إلا ظله ) . فقوله في
الحديث الأول ( من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة ) يوجب أن لا يكون منظرا بنفس
الإعسار دن إنظار الطالب إياه ، لأنه لو كان منظرا بغير إنظاره لما صح القول بأن من
أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة ، إذ غير جائز أن يستحق الثواب إلا على فعله ، فأما من
قد صار منظرا بغير فعله فإنه يستحيل أن يستحق الثواب بالإنظار . وحديث أبي اليسر يدل
على ذلك أيضا من وجهين ، أحدهما : ما أخبر عنه من استحقاق الثواب بإنظاره ،
والثاني : أنه جعل الإنظار بمنزلة الحط ، ومعلوم أن الحط لا يقع إلا بفعله ، فكذلك
الإنظار . وهذا كله يدل على أن قوله تعالى : ( فنظرة إلى ميسرة ) ينصرف على أحد
وجهين : إما أن يكون وقوع الإنظار هو تخليته من الحبس وترك عقوبته ، إذ كان غير
مستحق لها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل مطل الغني ظلما ، فإذا ثبت إعساره فهو غير ظالم
بترك القضاء ، فأمر الله بإنظاره من الحبس ، فلا يوجب ذلك ترك لزومه . أو أن يكون
المراد الندب والإرشاد إلى إنظاره بترك لزومه ومطالبته ، فلا يكون منظرا إلا بنظرة
الطالب ، بدلالة الأخبار التي أوردناها .
فإن قال قائل : اللزوم بمنزلة الحبس لا فرق بينهما ، لأنه في الحالين ممنوع من
التصرف . قيل له : ليس كذلك ، لأن اللزوم لا يمنعه التصرف ، فإنما معناه أن يكون معه
من قبل الطالب من يراعي أمره في كسبه وما يستفيده ، فيترك له مقدار القوت ويأخذ
الباقي قضاء من دينه ، وليس في ذلك إيجاب حبس ولا عقوبة . وروى مروان بن معاوية
قال : حدثنا أبو مالك الأشجعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إن الله يقول لعبد من عباده : ما عملت ؟ قال : ما عملت لك كثير عمل أرجوك به من
صلاة ولا صوم ، غير أنك كنت أعطيتني فضلا من مال فكنت أخالط الناس فأيسر على
الموسر وأنظر المعسر . فقال الله عز وجل : نحن أحق بذلك منك ، تجاوزوا عن عبدي !
فغفر له ) فقال ابن مسعود : هكذا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا الحديث أيضا يدل
على مثل ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من أن الإنظار لا يقع بنفس الإعسار ، لأنه جمع
بين إنظار المعسر والتيسير على الموسر ، وذلك كله مندوب إليه غير واجب .
واحتج من حال بينه وبين لزومه إذا أعسر وجعله منظرا بنفس الإعسار ، بما رواه
الليث بن سعد ، عن بكير ، عن عياض بن عبد الله ، عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا
أصيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها ، فكثر دينه ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( تصدقوا عليه ! )
فتصدق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذوا ما وجدتم
ليس لكم إلا ذلك ) . فاحتج القائل بما وصفنا بقوله صلى الله عليه وسلم ( ليس لكم إلا ذلك ) وأن ذلك
أحكام القرآن — صفحة 580
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٠