من الله ورسوله ) عقيب قوله : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ) هو
عائد عليهما جميعا ، من رد الأمر على حاله ومن الإقامة على أكل الربا مع قبول الأمر .
فمن رد الأمر قوتل على الردة ، ومن قبل الأمر وفعله محرما له قوتل على تركه إن كان
ممتنعا ولا يكون مرتدا ، وإن لم يكن ممتنعا عزر بالحبس والضرب على ما يرى الإمام .
وقوله تعالى : ( فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) إعلام بأنهم إن لم يفعلوا ما أمروا به
في هذه الآية فهم محاربون الله ورسوله ، وفي ذلك أخبار منه بمقدار عظم الجرم وأنهم
يستحقون به هذه السمة ، وهي أن يسموا محاربين لله ورسوله ، وهذه السمة يعتورها
معنيان : أحدهما الكفر إذا كان مستحلا ، والآخر : الإقامة على أكل الربا مع اعتقاد
التحريم على ما بيناه ، ومن الناس من يحمله على أنه إعلام منه بأن الله تعالى يأمر رسوله
والمؤمنين بمحاربتهم ، ويكون إيذانا لهم بالحرب حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها ،
كقوله تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب
الخائنين ) [ الأنفال : 58 ] فإذا حمل على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجها إليهم إذا
كانوا ذوي منعة ، وإذا حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلي ذلك في
الخطاب وتناوله الحكم المذكور فيه ، فهو أولى .
قوله تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) فيه تأويلان ، أحدهما : وإن
كان ذو عسرة غريما لكم فنظرة إلى ميسرة ، والثاني : على أن ( كان ) المكتفية باسمها على
معنى : ( وإن وقع ذو عسرة أو إن وجد ذو عسرة ) كقول الشاعر :
فدى لبني شيبان رحلي وناقتي * إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
معناه : إذا وجد يوم كذلك .
وقد اختلف في معنى قوله : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) فروي عن ابن
عباس وشريح وإبراهيم ( أنه في الربا خاصة ) وكان شريح يحبس المعسر في غيره من
الديون . وروي عن إبراهيم والحسن والربيع بن خيثم والضحاك ( أنه في سائر الديون ) ،
وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك . وقال آخرون : ( إن الذي في الآية إنظار
المعسر في الربا ، وسائر الديون في حكمه قياسا عليه ) .
قال أبو بكر : لما كان قوله تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) محتملا
أن يكون شاملا لسائر الديون على ما بينا من وجه الاحتمال ، ولتأويل من تأوله من
السلف على ذلك ، إذ غير جائز أن يكونوا تأولوه على مالا احتمال فيه ، وجب حمله
على العموم وأن لا يقتصر به على الربا إلا بدلالة ، لما فيه من تخصيص لفظ العموم من
أحكام القرآن — صفحة 573
مساهمون: الجصاص
ص٥٧٣