الزهري عن سالم عن أبيه . وقد قيل عن ابن عباس في قوله تعالى : ( إلا أن تغمضوا فيه )
( إلا أن تحطوا من الثمن ) . وعن الحسن وقتادة مثله . وقال البراء ابن عازب : ( إلا أن
تتساهلوا فيه ) . وقيل : ( لستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة ) . هذه الوجوه
كلها محتملة ، وجائز أن يكون جميعها مراد الله تعالى بأنهم لا يقبلونه في الهدية إلا
بإغماض ولا يقبضونه من الجيد إلا بتساهل ومسامحة ولا يبيعون بمثله إلا بحبط ووكس .
وقد اختلف أصحابنا فيمن أدى من المكيل والموزون دون الواجب في الصفة ،
فأدى عن الجيد رديا ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : ( لا يجب عليه أداء الفضل ) . وقال
محمد : ( عليه أن يؤدي الفضل الذي بينهما ) . وقالوا جميعا في الغنم والبقر وجميع
الصدقات مما لا يكال ولا يوزن : ( إن عليه أداء الفضل ) . فيجوز أن يحتج لمحمد بهذه
الآية ، وقوله تعالى : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) والمراد به الردي منه ، وقوله
تعالى : ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) ولصاحب الحق أن لا يغمض فيه ولا
يتساهل ويطالب بحقه من الجودة ، فهذا يدل على أن عليه أداء الفضل حتى لا يقع فيه
إغماض ، لأن الحق في ذلك لله تعالى وقد نفى الإغماض في الصدقة بنهيه عن إعطاء
الردي فيها . وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فإنهما قالا : ( كل مالا يجوز التفاضل فيه فإن
الجيد والردي حكمهما سواء في حظر التفاضل بينهما ، وإن قيمته من جنسه لا يكون إلا
بمثله ، ألا ترى أنه لو اقتضى دينا على أنه جيد فأنفقه ثم علم أنه كان رديا أنه لا يرجع
على الغريم بشئ وأن ما بينهما من الفضل لا يغرمه ؟ ) وإنما يقول أبو يوسف فيه ( إنه
يغرم مثل ما قبض من الغريم ويرجع بدينه ) وغير ممكن مثله في الصدقة ، لأن الفقير لا
يغرم شيئا ، فلو غرمه لم تكن له مطالبة المتصدق برد الجيد عليه ، فلذلك لم يلزمه إعطاء
الفضل . وإنما نهى الله تعالى المتصدق عن قصد الردي بالإخراج وقد وجب عليه اخراج
الجيد ، فإنهم يقولون إنه منهي عنه ، ولكن لما كان حكم ما أعطي حكم الجيد فيما
وصفنا أجزأ عنه ، وأما ما يجوز فيه التفاضل فإنه مأمور باخراج الفضل فيه ، لأنه جائز أن
تكون قيمته من جنسه أكثر منه ويباع بعضه ببعض متفاضلا ، وأما محمد فإنه لم يجز
اخراج الردي من الجيد إلا بمقدار قيمته منه ، فأوجب عليه اخراج الفضل إذ ليس بين
العبد وبين سيده ربا .
وفي هذه الآية دلالة على جواز اقتضاء الردي عن الجيد في سائر الديون ، لأن الله
تعالى أجاز الإغماض في الديون بقوله تعالى : ( إلا أن تغمضوا فيه ) ولم يفرق بين شئ
منه ، فدل ذلك على معان ، منها جواز اقتضاء الزيوف التي أقلها غش وأكثرها فضة عن
الجياد في رأس مال السلم وثمن الصرف اللذين لا يجوز أن يأخذ عنهما غيرهما ، ودل
أحكام القرآن — صفحة 556
مساهمون: الجصاص
ص٥٥٦