كما قال فرعون حين آمنت السحرة عند إلقاء موسى عليه السلام العصا وتلقفها جميع ما
لقوا من الحبال والعصي وعلموا أن ذلك ليس بسحر وأنه من فعل الله ، فأراد فرعون
التمويه عليهم فقال : ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ) يعني
تواطأتم عليه مع موسى قبل هذا الوقت حتى إذا اجتمعتم أظهرتم العجز عن معارضته
والإيمان به . وكان ذلك مما موه به على أصحابه . وكذلك الكافر الذي حاج إبراهيم عليه
السلام ، ولم يدعه إبراهيم عليه السلام وما رام حتى أتاه بما لم يمكنه دفعه بحال ولا
معارضة ، فقال : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ! فانقطع وبهت
ولم يمكنه أن يلجأ إلى معارضة بكر أو شبهة .
وفي حجاج إبراهيم عليه السلام بهذا اللطف دليل وأوضح برهان لمن عرف معناه ،
وذلك أن القوم الذين بعث فيهم إبراهيم عليه السلام كانوا صابئين عبدة أوثان على أسماء
الكواكب السبعة ، وقد حكى الله عنهم في غير هذا الموضع أنهم كانوا يعبدون الأوثان ولم
يكونوا يقرون بالله تعالى ، وكانوا يزعمون أن حوادث العالم كلها في حركات الكواكب
السبعة وأعظمها عندهم الشمس ويسمونها وسائر الكواكب آلهة والشمس عندهم هو الإله
الأعظم الذي ليس فوقه إله ، وكانوا لا يعترفون بالباري جل وعز ، وهم لا يختلفون وسائر
من يعرف مسير الكواكب أن لها ولسائر الكواكب حركتين متضادتين : إحداهما من
المغرب إلى المشرق وهي حركتها التي تختص بها لنفسها ، والأخرى تحريك الفلك لها
من المشرق إلى المغرب وبهذه الحركة تدور علينا كل يوم وليلة دورة ، وهذا أمر مقرر
عند من يعرف مسيرها ، فقال له إبراهيم عليه السلام : إنك تعترف أن الشمس التي تعبدها
وتسميها إلها لها حركة قسر ليس هي حركة نفسها بل هي بتحريك غيرها لها يحركها من
المشرق إلى المغرب ، والذي أدعوك إلى عبادته هو فاعل هذه الحركة في الشمس ، ولو
كانت إلها لما كانت مقسورة ولا مجبرة . فلم يمكنه عند ذلك دفع هذا الحجاج بشبهة ولا
معارضة إلا قوله : حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ! وهاتان الحركتان المتضادتان وفي
للشمس ولسائر الكواكب لا توجدان لها في حال واحدة ، لاستحالة وجود ذلك في جسم
واحد في وقت واحد ، ولكنها لا بد من أن تتخلل إحداهما سكون فتوجد الحركة الأخرى
في وقت لا توجد فيه الأولى .
قال أبو بكر : فإن قيل : كيف ساغ لإبراهيم عليه السلام الانتقال عن الحجاج الأول
إلى غيره ؟ قيل له : لم ينتقل عنه بل كان ثابتا عليه ، وإنما أردفه بحجاج آخر كما أقام الله
الدلائل على توحيده من عدة وجوه وكل ما في السماوات والأرض دلائل عليه ، وأيد نبيه
صلى الله عليه وسلم بضروب من المعجزات كل واحدة منها لو انفردت لكانت كافية مغنية .
أحكام القرآن — صفحة 551
مساهمون: الجصاص
ص٥٥١