وغلام فرأى ثعلبا فأغرى به الكلب فدخل الثعلب ثقبا في تل هناك ودخل الكلب خلفه
فلم يخرج ، فأمر الغلام أن يدخل فدخل وانتظره صاحبه فلم يخرج ، فوقف متهيئا
للدخول ، فمر به رجل فأخبره بشأن الثعلب والكلب والغلام وأن واحدا منهم لم يخرج
وأنه متأهب للدخول ، فأخذ الرجل بيده فأدخله إلى هناك ، فمضيا إلى سرب طويل حتى
أفضى بهما إلى بيت قد فتح له ضوء من موضع ينزل إليه بمرقاتين ، فوقف به على المرقاة
الأولى حتى أضاء البيت حينا ثم قال له : أنظر ! فنظر فإذا الكلب والرجل والثعلب قتلى ،
وإذا في صدر البيت رجل واقف مقنع في الحديد وفي يده سيف ، فقال له الرجل : أترى
هذا لو دخل إليه هذا المدخل ألف رجل لقتلهم كلهم ! فقال : وكيف ؟ قال : لأنه قد رتب
وهندم على هيئة متى وضع الانسان رجله على المرقاة الثانية للنزول تقدم الرجل المعمول
في الصدر فضربه بالسيف الذي في يده ، فإياك أن تنزل إليه ! فقال : فكيف الحيلة في
هذا ؟ قال : ينبغي أن تحفر من خلفه سربا يفضي بك إليه ، فإن وصلت إليه من تلك
الناحية لم يتحرك ! فاستأجر الجندي أجراء وصناعا حتى حفروا سربا من خلف التل
فأفضوا إليه ، فلم يتحرك ، وإذا رجل معمول من صفر أو غيره قد ألبس السلاح وأعطي
السيف فقلعه ، ورأى بابا آخر في ذلك البيت ففتحه فإذا هو قبر لبعض الملوك ميت على
سرير هناك . وأمثال ذلك كثيرة جدا .
ومنها الصور التي يصورها مصور والروم والهند حتى لا يفرق الناظر بين الانسان
وبينها ، ومن لم يتقدم له علم أنها صورة لا يشك في أنها انسان ، وحتى تصورها ضاحكة
أو باكية ، وحتى يفرق فيها بين الضحك من الخجل والسرور وضحك الشامت .
فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل وخفيها وما ذكرناه قبل من جليها . وكان
سحر سحرة فرعون من هذا الضرب على النحو الذي بينا من حيلهم في العصي والحبال .
والذي ذكرناه من مذاهب أهل بابل في القديم وسحرهم ووجوه حيلهم بعضه سمعناه من
أهل المعرفة بذلك وبعضه وجدناه في الكتب قد نقلت حديثا من النبطية إلى العربية ، منها
كتاب في ذكر سحرهم وأصنافه ووجوهه ، وكلها مبنية على الأصل الذي ذكرناه من
قربانات الكواكب وتعظيمها وخرافات معها لا تساوي ذكرها ولا فائدة فيها .
وضرب آخر من السحر : وهو ما يدعونه من حديث الجن والشياطين وطاعتهم
لهم بالرقى والعزائم ، ويتوصلون إلى ما يريدون من ذلك بتقدمه أمور ومواطأة قوم قد
أعدوهم لذلك ، وعلى ذلك كان يجري أمر الكهان من العرب في الجاهلية ، وكانت أكثر
مخارق الحلاج من باب الموطآت . ولولا أن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاء ذلك
أحكام القرآن — صفحة 55
مساهمون: الجصاص
ص٥٥