( القنوت طول القيام ) وقرأ : ( أمن هو قانت آناء الليل ) [ الزمر : 9 ] . وروي عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفضل الصلاة طول القنوت ) يعني القيام . وقال مجاهد : ( القنوت السكوت
والقنوت الطاعة ) . ولما كان أصل القنوت الدوام على الشئ جاز أن يسمى مديم الطاعة
قانتا ، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت ،
كل هؤلاء فاعلو القنوت . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قنت شهرا يدعو فيه على حي من أحياء
العرب ) والمراد به : أطال قيام الدعاء . وقد روى الحارث عن شبل عن أبي عمرو الشيباني
قال : ( كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : ( وقوموا الله قانتين ) فأمرنا
بالسكوت ) فاقتضى ذلك النهي عن الكلام في الصلاة . وقال عبد الله بن مسعود : كنا نسلم
على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا قبل أن نأتي أرض الحبشة ، فلما رجعت بن سلمت
عليه فلم يرد علي ، فذكرت ذلك له فقال : ( إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه قضى أن
لا تتكلموا في الصلاة ) . وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سلم على
النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه بالإشارة ، فلما سلم قال : ( كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك ) .
وروى إبراهيم الهجري عن ابن عياض عن أبي هريرة قال : كانوا يتكلمون في الصلاة
فنزل : ( فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) [ الأعراف : 204 ] . وفي حديث معاوية
بن الحكم السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس
إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ) .
ففي هذه الأخبار حظر الكلام في الصلاة .
ولم تختلف الرواة أن الكلام كان مباحا في الصلاة إلى أن حظره ، واتفق الفقهاء
على حظره ، إلا أن مالكا قال : ( يجوز فيها لإصلاح الصلاة ) . وقال الشافعي : ( كلام
السهو لا يفسدها ) . ولم يفرق أصحابنا بين شئ منه ، وأفسدوا الصلاة بوجوده فيها على
وجه السهو وقع أو لإصلاح الصلاة ، والدليل عليه أن الآية التي تلونا من قوله تعالى :
( وقوموا لله قانتين ) ورواية من روى أنها نزلت في حظر الكلام في الصلاة ، مع احتماله له
لو لم ترد الرواية بسبب نزولها ، ليس فيها فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو والعمد
وبينه إذا قصد به إصلاح الصلاة أو لم يقصد ، وكذلك سائر الأخبار المأثورة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم في حظره فيها لم يفرق فيها بين ما قصد به إصلاح الصلاة وبين غيره ولا
بين السهو والعمد منه ، فهي عامة في الجميع .
فإن قيل : النهي عن الكلام في الصلاة مقصور على العامد دون الناسي ، لاستحالة
نهي الناسي . قيل له : حكم النهي قد يجوز أن يتعلق على الناسي كهو على العامد ، وإنما
يختلفان في المأثم واستحقاق الوعيد فأما في الأحكام التي هي فساد الصلاة وإيجاب قضائها
أحكام القرآن — صفحة 538
مساهمون: الجصاص
ص٥٣٨