الأسير . وقد روى عمران بن حصين وسلمة بن الأكوع : ( أن النبي عليه السلام فدى
أسارى من المسلمين بالمشركين ) . وروى الثوري عن عبد الله بن شريك عن بشر بن غالب
قال : ( سئل الحسين بن علي عليهما السلام : على من فدى الأسير ؟ قال : على الأرض
التي يقاتل عنها ) .
قوله تعالى : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا
الموت إن كنتم صادقين ) روى أن النبي عليه السلام قال : ( لو أن اليهود تمنوا الموت
لماتوا أو لرأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون
أهلا ولا مالا ) . وقال ابن عباس : ( لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا ) .
وقيل في تمني الموت وجهان : أحدهما قول ابن عباس أنهم تحدوا بأن يدعوا
بالموت على أن الفريقين كانا كاذبا . وقال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس : لما قالوا
لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ، قيل لهم :
فتمنوا الموت ! فمن كان بهذه الصفة فالموت خير له من الحياة في الدنيا ، فتضمنت الآية
معنيين ، أحدهما : إظهار كذبهم وتبكيتهم به ، والثاني : الدلالة على نبوة النبي عليه
السلام ، وذلك أنه تحداهم بذلك كما أمر الله تعالى بتحدي النصارى بالمباهلة ، فلولا
علمهم بصدقه صلى الله عليه وسلم وكذبهم لسارعوا إلى تمني الموت ولسارعت النصارى إلى المباهلة ،
لا سيما وقد أخبر الفريقين أنهم لو فعلوا ذلك لنزل الموت والعذاب بهم ، وكان يكون في
إظهارهم التمني والمباهلة تكذيب له ودحض لحجته إذا لم ينزل بهم ما أوعدهم ، فلما
أحجموا عن ذلك مع التحدي والوعيد مع سهولة هذا القول دل ذلك على علمهم بصحة
نبوته بما عرفوه من كتبهم من نعته وصفته كما قال تعالى : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت
أيديهم ) .
فيه دلالة أخرى على صحة نبوته ، وهو إخبارهم أنهم لا يتمنون الموت مع خفة
التمني وسهولته على المتلفظ وسلامة ألسنتهم ، فكان ذلك بمنزلة لو قال لهم : الدلالة
على صحة نبوتي أن أحدا منكم لا يمس رأسه مع صحة جوارحه ، وأنه إن مس أحد منكم
رأسه فأنا مبطل ! فلا يمس أحدا منهم رأسه مع شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه
ومع سلامة أعضائهم وصحة جوارحهم ، فيعلم بذلك أنه من عند الله تعالى من وجهين :
أحدهما : أن عاقلا لا يتحدى أعداءه بمثله مع علمه بجواز وقوع ذلك منهم . والثاني :
أنه إخبار بالغيب ، إذ لم يتمن واحد منهم الموت ، وكون مخبره على ما أخبر به ، وهذا
كقوله حين تحداهم بالقرآن وقرعهم بالإتيان بسورة مثله وإخباره أنهم لا يفعلون بقوله :
( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) [ البقرة : 24 ] .
أحكام القرآن — صفحة 48
مساهمون: الجصاص
ص٤٨