في غيره ، وهو أنه لم يعطها مثل ما أخذ منها ، ولو كان قد أعطاها مثل ذلك لما كان ذلك
مكروها ، فلما تعلق النهي بمعنى في غير العقد لم يمنع ذلك جواز العقد ، كالبيع عند أذان
الجمعة وبيع حاضر لباد ، وتلقي الركبان ونحو ذلك . وأيضا لما جاز العتق على قليل
المال وكثيره وكذلك الصلح عن دم العمد ، كان كذلك الطلاق ! وكذلك النكاح لما جاز
على أكثر من مهر المثل وهو بدل البضع كذلك جاز أن تضمنه المرأة بأكثر من مهر
مثلها ، لأنه بدل من البضع في الحالين .
فإن قيل : لما كان الخلع فسخا لعقد النكاح لم يجز بأكثر مما وقع عليه العقد كما
لا يجوز الإقالة بأكثر من الثمن . قيل له : قولك : ( إن الخلع فسخ للعقد ) خطأ ، وإنما هو
طلاق مبتدأ كهو لو لم يشرط فيه بدل ، ومع ذلك فلا خلاف أنه ليس بمنزلة الإقالة ، لأنه
لو خلعها على أقل مما أعطاها جاز بالاتفاق ، والإقالة غير جائزة بأقل من الثمن ، ولا
خلاف أيضا في جواز الخلع بغير شئ .
وقد اختلف السلف في الخلع دون السلطان ، فروي عن الحسن وابن سيرين : ( أن
الخلع لا يجوز إلا عند السلطان ) . وقال سعيد بن جبير : ( لا يكون الخلع حتى يعظها ،
فإن اتعظت وإلا هجرها فإن اتعظت ضربها ، فإن اتعظت وإلا ارتفعا إلى السلطان فيبعث
حكما من أهله وحكما من أهلها فيردان ما يسمعان إلى السلطان ، فإن رأى بعد ذلك أن
يفرق فرق وإن رأى أن يجمع جمع ) . وروي عن علي وعمر وعثمان وابن عمر وشريح
وطاوس والزهري في آخرين : ( أن الخلع جائز دون السلطان ) . وروى سعيد عن قتادة
قال : ( كان زياد أول من رد الخلع دون السلطان ) .
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وقد في جوازه دون السلطان ، وكتاب الله يوجب جوازه
وهو قوله تعالى : ( ولا جناح عليهما فيما افتدت به ) وقال تعالى : ( ولا تعضلوهن
لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) [ النساء : 19 ] فأباح الأخذ منها
بتراضيهما من غير سلطان . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس : ( أتردين عليه حديقته ؟ )
فقالت : نعم ! فقال للزوج : ( خذها وفارقها ) يدل على ذلك أيضا ، لأنه لو كان الخلع إلى
السلطان - شاء الزوجان أو أبيا - إذا علم أنهما لا يقيمان حدود الله لم يسألهما النبي صلى الله عليه وسلم
عن ذلك ولا خاطب الزوج بقوله ( اخلعها ) بل كان يخلعها منه ويرد عليه حديقته ، وإن
أبيا أو واحد منهما ، كما لما كانت فرقة المتلاعنين إلى الحاكم ، لم يقل للملاعن ( خل
سبيلها ) بل فرق بينهما ، كما روى سهل بن سعد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين ) ،
كما قال في حديث آخر : ( لا سبيل لك عليها ) ولم يرجع ذلك إلى الزوج ، فثبت بذلك
أحكام القرآن — صفحة 478
مساهمون: الجصاص
ص٤٧٨