الخلق أو جميعا ، فيفضي بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله فيما ألزم كل واحد منهما من
حقوق النكاح في قوله تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) وإما أن يكون
أحدهما مبغضا للآخر فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة ، فيؤديه ذلك إلى مخالفة أمر
الله في تقصيره في الحقوق التي تلزمه وفيما ألزم الزوج من إظهار الميل إلى غيرها في
قوله تعالى : ( فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) [ النساء : 129 ] فإذا وقع أحد
هذين وأشفقا من ترك إقامة حدود الله التي حدها لهما ، حل الخلع . وروى جابر الجعفي
عن عبد الله بن يحيى عن علي كرم الله وجهه ، أنه قال : ( كلمات إذا قالتهن المرأة حل له
أن يأخذ الفدية : إذا قالت له لا أطيع لك أمرا ولا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من
جنابة ) . وقال المغيرة عن إبراهيم قال : ( لا يحل للرجل أن يأخذ الفدية من امرأته إلا أن
تعصيه ولا تبر له قسما ، وإذا فعلت ذلك وكان من قبلها حلت له الفدية ) ، وإن أبى أن يقبل
منها الفدية وأبت أن تعطيه بعثا حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها ) . وذكر علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس قال : ( تركها إقامة حدود الله استخفافا بحق الزوج وسوء
خلقها ، فتقول : والله لا أبر لك قسما ولا أطأ لك مضجعا ولا أطيع لك أمرا ، فإذا فعلت
ذلك فقد حل له منها الفدية ولا يأخذ أكثر مما أعطاها شيئا ويخلي سبيلها وإن كانت
الإساءة من قبلها ) ثم قال : ( فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا )
[ النساء : 4 ] يقول : ( إن كان عن غير ضرار ولا خديعة فهو هنئ مرئ كما قال الله
تعالى ) .
وقد اختلف في نسخ هذه الآية ، فروى حجاج عن عقبة بن أبي الصهباء قال :
سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد منه امرأته الخلع ، قال : لا يحل له أن يأخذ منها
شيئا ، قلت له : يقول الله في كتابه : ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) قال : هذه نسخت
بقوله : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه
شيئا ) [ النساء : 20 ] . وروى أبو عاصم عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أرأيت إذا
كانت له ظالمة مسيئة فدعاها إلى الخلع أيحل له ؟ قال : لا ، إما أن يرضى فيمسك وإما
أن يسرح . قال أبو بكر : وهو قول شاذ يرده ظاهر الكتاب والسنة واتفاق السلف ، ومع
ذلك فليس في قوله : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) [ النساء : 20 ] الآية ، ما
يوجب نسخ قوله تعالى : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به )
لأن كل واحدة منهما مقصورة الحكم على حال مذكورة فيها ، فإنما حظر الخلع إذا كان
النشوز من قبله وأراد استبدال زوج مكان زوج غيرها ، وأباحه إذا خافا أن لا يقيما حدود
الله بأن تكون مبغضة له أو سيئة الخلق أو كان هو سيئ الخلق ولا يقصد مع ذلك
أحكام القرآن — صفحة 474
مساهمون: الجصاص
ص٤٧٤