يرد المستحاضة إلى وقت نسائها ، وإنما رد واحدة إلى عادتها فقال : ( تقعد أيام إقرائها )
وأمر أخرى أن تقعد في علم الله ستا أو سبعا ، وأمر أخرى أن تغتسل لكل صلاة ، ولم
يقل لواحدة منهن أقعدي أيام نسائك . وأيضا فإن أيام نسائها والأجنبيات ومن كان دون
سنها وفوقها سواء ، وقد يتفقن في السن مع اختلاف عاداتهن في الحيض ، فليس لنسائها
في ذلك خصوصية دون غيرهن .
وقد تنازع أهل العلم في قوله تعالى : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن
فأتوهن ) فمن الناس من يقول : أن انقطاع الدم يوجب إباحة وطئها ، ولم يفرقوا في ذلك
بين أقل الحيض وأكثره . ومنهم من لا يجوز وطأها إلا بعد الاغتسال في أقل الحيض
وأكثره ، وهو مذهب الشافعي . وقال أصحابنا : ( إذا انقطع دمها وأيامها دون العشرة فهي
في حكم الحائض حتى تغتسل إذا كانت واجدة للماء أو يمضي عليها وقت الصلاة ، فإذا
كان أحد هذين خرجت من الحيض وحل لزوجها وطؤها وانقضت عدتها إن كانت آخر
حيضة ، وإذا كانت أيامها عشرة ارتفع حكم الحيض بمضي العشرة وتكون حينئذ بمنزلة
امرأة جنب في إباحة وطء الزوج وانقضاء العدة وغير ذلك ) .
واحتج من أباح وطأها في سائر الأحوال عند مضي أيام حيضها وانقطاع دمها قبل
الاغتسال بقوله : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) و ( حتى ) غاية تقتضي أن يكون حكم ما
بعدها بخلافها ، فذلك عموم في إباحة وطئها بانقطاع الدم كقوله تعالى : ( حتى مطلع
الفجر ) [ القدر : 5 ] ( وقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ) [ الحجرات : 9 ] ( ولا
جنبا إلا عابري سبل حتى تغتسلوا ) [ النساء : 43 ] فكانت هذه نهايات لما قدر بها ،
وكان حكم ما بعدها بخلافها ، فكذلك قوله : ( حتى يطهرن ) إذا قرئ بالتخفيف فمعناها
انقطاع الدم : وقالوا : قد قرئ : ( حتى يطهرن ) بالتشديد ، وهو يحتمل ما يحتمله قوله :
( حتى يطهرن ) بالتخفيف ، فيراد به انقطاع الدم ، إذ جائز أن يقال : طهرت المرأة
وتطهرت ، إذا انقطع دمها ، كما يقال : تقطع الحبل وتكسر الكوز ، والمعنى : انقطع
وانكسر ، ولا يقتضي ذلك فعلا من الموصوف بذلك .
واحتج من حظر وطأها في كل حال حتى تغتسل بقوله : ( فإذا تطهرن فأتوهن من
حيث أمركم الله ) فشرط في إباحته شيئين ، أحدهما : انقطاع الدم ، والآخر : الاغتسال ،
لأن قوله : ( فإذا تطهرن ) لا يحتمل غير الغسل ، وهو كقول القائل : لا تعط زيدا شيئا
حتى يدخل الدار ، فإذا دخلها وقعد فيها فأعطه دينارا . فيعقل به أن استحقاق الدينار
موقوف على الدخول والقعود جميعا . وكقوله تعالى : ( ولا تحل له من بعد حتى تنكح
زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) فشرط الأمرين في إحلالها للأول ،
أحكام القرآن — صفحة 422
مساهمون: الجصاص
ص٤٢٢