ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن ) فقيل : وما نقصان دينهن ؟ فقال :
( تمكث إحداهن نصف عمرها لا تصلي ) قال : وهذا يدل على أن الحيض خمسة عشر
يوما ، ويكون الطهر خمسة عشر يوما لأنه أقل الطهر ، فيكون الحيض نصف عمرها . ولو
كان أكثر الحيض أقل من ذلك لم توجد امرأة لا تصلي نصف عمرها . فيقال له : لم يرو
أحد ( نصف عمرها ) وإنما روي على وجهين ، أحدهما : ( شطر عمرها ) والآخر : تمكث
إحداهن الأيام والليالي لا تصلي ) فأما ذكر نصف عمرها فلم يوجد في شئ من الأخبار .
وقوله : ( شطر عمرها ) لا دلالة فيه على أنه أراد النصف ، لأن الشطر هو بمنزلة ثم قوله
( طائفة ) و ( بعض ) ونحو ذلك ، قال الله تعالى : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام )
[ البقرة : 144 ] وإنما أراد ناحيته وجهته ، ولم يرد نصفه . وقد بين مقدار ذلك الشطر في
قوله صلى الله عليه وسلم : ( تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي ) فوجب أن يكون هو المراد دون
غيره . ومع ذلك فإنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضا نصف عمرها ، لأن ما مضى
من عمرها قبل البلوغ من عمرها وهو طهر بلا حيض ، فلو جاز أن يكون الحيض بعد
البلوغ خمسة عشر يوما إلى انقضاء عمرها وكان طهرها مع ذلك خمسة عشر ، لما حصل
الحيض نصف عمرها ؟ فعلمنا بطلان قول من زعم أن حيضها قد يكون نصف عمرها .
ذكر الاختلاف في أقل مدة الطهر
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح والشافعي :
أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو قول عطاء . وأما مالك بن أنس فإنه لا يوقت فيه شيئا
في إحدى الروايات ، وفي رواية عبد الملك بن حبيب عنه أن الطهر لا يكون أقل من
خمسة عشر . وقال الأوزاعي : ( قد يكون الطهر أقل من خمسة عشر ، ويرجع فيه إلى
مقدار طهر المرأة قبل ذلك ) . وقد حكي عن الشافعي أنه إن علم أن طهر المرأة أقل من
خمسة عشر جعل القول قولها . وذكر الطحاوي عن أبي عمران عن يحيى بن أكثم أنه
قال : ( أقل الطهر تسعة عشر يوما ) واحتج فيه بأن الله تعالى جعل عدل كل حيضة وطهر
شهرا ، والحيض في العادة أقل من الطهر ، فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر ،
فوجب أن يكون عشرة وأن يكون باقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر ، لأن الشهر قد يكون
تسعة وعشرين يوما . وقد حكينا عن سعيد بن جبير أن الطهر أقله ثلاثة عشر يوما .
والدليل على أن أقله خمسة عشر يوما أنه لما كان أكثر الحيض عشرة أيام ، وقد جعل الله
تعالى الشهر الواحد بدلا من حيض وطهر ، وجب أن يكون الطهر أكثر منه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال لحمنة : ( تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر ) فأثبت
الست أو السبع حيضا وجعل في الشهر طهرا ، اقتضى ذلك أن يكون هذا حكم جميع
أحكام القرآن — صفحة 417
مساهمون: الجصاص
ص٤١٧