تستحقها في حال توليدها السكر قول عمر : ( الخمر ما خامر العقل ) وقليل النبيذ
لا يخامر العقل ، لأن ما خامر العقل هو ما غطاه ، وليس ذلك بموجود في قليل ما أسكر
كثيره من هذه الأشربة . وإذا ثبت بما وصفنا أن اسم الخمر مجاز في هذه الأشربة ، فلا
يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه ، فلا يجوز أن ينطوي تحت إطلاق تحريم
الخمر ، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى فرسا لأبي طلحة ركبه لفزع كان بالمدينة فقال : ( وجدناه
بحرا ) فسمى الفرس بحرا إذ كان جوادا واسع الخطو ؟ ولا يعقل بإطلاق اسم البحر
الفرس الجواد . وقال النابغة للنعمان بن المنذر :
فإنك شمس والملوك كواكب * إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ولم تكن الشمس اسما له ولا الكواكب اسما للملوك . فصح بما وصفنا ان اسم
الخمر لا يقع على هذه الأشربة التي وصفنا ، وأنه مخصوص بماء العنب الني المشتد
حقيقة ، وإنما يسمى به غيرها مجازا . والله أعلم .
باب تحريم الميسر
قال كل الله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) قال أبو بكر :
دلالته على تحريم الميسر كهي على ما تقدم من بيانه . ويقال : أن اسم الميسر في أصل
اللغة إنما هو للتجزئة ، وكل ما جزأته فقد يسرته ، يقال للجازر : الياسر ، لأنه يجزئ
الجزور ، والميسر الجزور نفسه إذا تجزى . وكانوا ينحرون جزورا ويجعلونه أقساما
يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم في ذلك ، فكل من خرج له قدح نظروا إلى ما عليه
من السمة فيحكمون له بما يقتضيه أسماء القداح ، فسمي على هذا سائر ضروب القمار
ميسرا . وقال ابن عباس وقتادة ومعاوية بن صالح وعطاء وطاوس ومجاهد : ( الميسر
القمار ) ، وقال عطاء وطاوس ومجاهد : ( حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز ) . وروي
عن علي بن زيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر ) وروى سعيد بن
أبي هند عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) .
وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لرجل : إن أكلت كذا وكذا بيضة
فلك كذا وكذا ، فارتفعا إلى علي فقال : هذا قمار ، ولم يجزه .
ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار وأن المخاطرة من القمار ، قال ابن
عباس : ( إن المخاطرة قمار وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة ، وقد
كان ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه ) . وقد خاطر أبو بكر الصديق المشركين حين نزلت :
أحكام القرآن — صفحة 398
مساهمون: الجصاص
ص٣٩٨