جعله الله له ، واتفق ذلك في حجة النبي عليه السلام .
وقوله : ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) وإن كان ظاهره الخبر ، فهو
نهي عن هذه الأفعال ، وعبر بلفظ النفي عنها لأن المنهي عنه سبيله أن يكون منفيا غير
مفعول ، وهو كقوله في الأمر : ( والوالدات يرضعن أولادهن ) [ البقرة : 233 ]
و ( يتربصن بأنفسهن ) [ البقرة : 228 ] وما جرى مجراه صيغته صيغة الخبر ومعناه الأمر .
قوله تعالى : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) روي عن مجاهد والشعبي أن أناسا
من أهل اليمن كانوا لا يتزودون في حجهم حتى نزلت ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى )
وقال سعيد بن جبير : ( الزاد الكعك والزيت ) . وقيل فيه : إن قوما كانوا يرمون بأزوادهم
يتسمون بالمتوكلة ، فقيل لهم : تزودوا من الطعام ولا تطرحوا كلكم على الناس . وقيل
فيه : أن معناه أن تزودوا من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد التقوى .
قال أبو بكر : لما احتملت الآية الأمرين من زاد الطعام وزاد التقوى ، وجب أن
يكون عليهما ، إذ لم تقم دلالة على تخصيص زاد من زاد . وذكر التزود من الأعمال
الصالحة في الحج لأنه أحق شئ بالاستكثار من أعمال البر فيه لمضاعفة الثواب عليه ،
كما نص على حظر الفسوق والمعاصي فيه وإن كانت محظورة في غيره ، تعظيما لحرمة
الإحرام وإخبارا أنها فيه أعظم مأثما ، فجمع الزادين في مجموع اللفظ من الطعام ومن
زاد التقوى ، ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما لبقاء نفعه ودوام ثوابه . وهذا يدل على بطلان
مذهب المتوصفة الذين يتسمون بالمتوكلة في تركهم التزود والسعي في المعاش . وهو
يدل على أن من شرط استطاعة الحج الزاد والراحلة ، لأنه خاطب بذلك من خاطبه
بالحج ، وعلى هذا المعنى قال النبي عليه السلام حين سئل عن الاستطاعة : ( هي الزاد
والراحلة ) . والله الموفق .
باب التجارة في الحج
قال الله عقيب ذكر الحج والتزود له : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من
ربكم ) يعني المخاطبين بأول الآية ، وهم المأمورون بالتزود للحج وأباح لهم التجارة
فيه ، وروى أبو يوسف عن العلاء بن السائب عن أبي أمامة قال : قلت لابن عمر : إني
رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزي من حجتي ؟ قال : ألست تلبي فتقف وترمي الجمار ؟
قلت : بلى ! قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل ما سألتني ، فلم يجبه حتى أنزل الله
هذه الآية : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) فقال عليه السلام : ( أنتم
حاج ) . وقال عمرو بن دينار : قال ابن عباس : كانت ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في
أحكام القرآن — صفحة 374
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٤