مسيرة عشر ليال ؟ قيل له : إنهم وإن لم يكونوا من حاضري المسجد الحرام فهم في
حكمهم في باب جواز دخولهم مكة بغير إحرام ، وفي باب أنهم متى أرادوا الإحرام
أحرموا من منازلهم ، كما أن أهل مكة إذا أرادوا الإحرام أحرموا من منازلهم ، فيدل ذلك
على أن المعنى حاضروا المسجد الحرام ومن في حكمهم ، وقال الله عز وجل في شأن
البدن : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) [ الحج : 33 ] وقال عليه السلام ( منى منحر
وفجاج مكة منحر ) ، فكان مراد الله بذكر البيت ما قرب من مكة وإن كان خارجا
منها . وقال تعالى : ( والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد )
[ الحج : 25 ] وهي مكة وما قرب منها . فهاتان المتعتان قد بينا حكمهما ، وهما القران
والتمتع . وأما المتعة الثالثة فإنها على قول عبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير ( أن يحصر
الحاج المفرد بمرض أو أمر يحبسه فيقدم فيجعلها عمرة ويتمتع بحجة إلى العام المقبل
ويحج ) ، فهذا المتمتع بالعمرة إلى الحج ، فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى
على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر يوم يحلق ، ويبقى على إحرامه حتى يقدم
مكة فيتحلل من حجة بعمل عمرة ، وهذا خلاف قول الله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله
فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) ثم قال : ( ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي
محله ) ولم يفرق بين الحج والعمرة فيما أباح من الإحلال بالحلق ، ولا خلاف أن هذا
الحلق للإحلال من العمرة فكذلك الحج ، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية
حلق هو وحل وأمرهم بالإحلال . ومع ذلك فإن عمل العمرة الذي يلزم بالفوات ليس
بعمرة وإنما هو عمل عمرة مفعول بإحرام الحج ، والله سبحانه إنما قال : ( فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج ) وليس الذي يفوته الحج بالمعتمر ، وأيضا فإنه قال : ( فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) وهو إنما أوجب عليه الهدي ليصل به إلى
الحلق يوم النحر ، سواء حج بعد ذلك أو لم يحج ، ألا ترى أنه لو لم يحج إلا بعد عشر
سنين لكان الهدي قائما ؟ فدل ذلك على أن المتمتع المذكور في الآية ليس هو ما ذهب
إليه ابن الزبير ، لأن ما في الآية من ذلك إنما يتعلق الهدي فيه بفعل العمرة والحج ، والدم
الذي يلزمه بالإحصار غير متعلق بوجود الحج بعد العمرة . وهذه المتعة هي الإحلال إلى
النساء ، إلا على الوجه الذي ذكرناه من الجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج . وأما
المتعة الرابعة فهي فسح الحاج إذا طاف له قبل يوم النحر ، وما نعلم أحدا من الصحابة
قال بذلك غير ابن عباس ، فإنه حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن
محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال :
أخبرني عطاء عن ابن عباس قال : ( لا يطوف بالبيت أحد إلا أحل ) قال : قلت : إنما هذا
بعد المعرف ، قال : كان ابن عباس يراه قبل وبعده ، قال : قلت : من أين كان يأخذ هذا ؟
أحكام القرآن — صفحة 351
مساهمون: الجصاص
ص٣٥١