ترك موجبات الإحرام لا يختلف فيه المعذور وغيره في ترك لزوم حكمه ، والدليل عليه
أن الله قد عذر حالق رأسه من أذى ولم يخله من إيجاب فدية ، سواء كان ذلك في
إحرام فريضة أو تطوع ، فكذلك ينبغي أن يكون حكم المحصر بحجة فرض أو نفل في
وجوب القضاء ، وواجب أيضا أن يستوي حكم إفساده إياه بالجماع وخروجه منه
بإحصار ، كما لم يخل من إيجاب كفارة في الجنايات الواقعة في الإحرام المعذور
وغيره . ويدل على وجوب القضاء على المحصر وإن كان معذورا اتفاق الجميع أن على
المريض القضاء إذا فاته الحج وإن كان معذورا في الفوات ، كما يلزمه لو قصد إلى
الفوات من غير عذر . والمعنى في استواء حكم المعذور وغير المعذور ما لزمه من
الإحرام بالدخول وهو موجود في المحصر ، فوجب أن لا يسقط عنه القضاء . ويدل عليه
أيضا قصة عائشة حين حاضت وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكانت محرمة بعمرة ،
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( انقضي حدثنا رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة ) ثم لما فرغت
من الحج أمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم ، وقال ( هذه مكان عمرتك )
فأمرها بقضاء ما رفضته من العمرة للعذر ، فدل ذلك على أن المعذور في خروجه من
الإحرام لا يسقط عنه القضاء . ويدل عليه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصر هو وأصحابه
بالحديبية وكانوا محرمين بالعمرة وقضوها في العام المقبل ، سميت عمرة القضاء ، ولو
لم تكن لزمت بالدخول ووجب القضاء لما سميت عمرة القضاء ولكانت تكون حينئذ
عمرة مبتدأة ، وفي ذلك دليل على لزوم القضاء بالإحلال ، والله الموفق .
باب المحصر لا يجد هديا
قال الله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) واختلف أهل العلم في
المحصر لا يجد هديا ، فقال أصحابنا : ( لا يحل حتى يجد هديا فيذبح عنه ) . وقال
عطاء : ( يصوم عشرة أيام ويحل كالمتمتع إذا لم يجد هديا ) ، وللشافعي فيه قولان ،
أحدهما : أنه لا يحل أبدا إلا بهدي ، والآخر : إذا لم يقدر على شئ حل وأهراق دما إذا
قدر عليه ، وقيل : إذا لم يقدر أجزأه وعليه الطعام أو صيام إن لم يجد ولم يقدر .
قال أبو بكر : واحتج محمد لذلك بأن هدي المتعة منصوص عليه ، وكذلك حكم
المتمتع منصوص عليه ، فيما يلزم من هدي أو صيام إن لم يجد هديا ، والمنصوصات لا
يقاس بعضها على بعض . ووجه آخر ، وهو أنه غير جائز إثبات الكفارات بالقياس ، فلما
كان الدم مذكورا للمحصر لم يجز لنا إثبات شئ غيره قياسا ، لأن ذلك دم جناية على
وجه الكفارة ، لامتناع جواز إثبات الكفارة قياسا ، وأيضا فإن فيه ترك المنصوص عليه
أحكام القرآن — صفحة 339
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٩