إحرامه قبل قضاء المناسك فليس عليه الإحلال بالحلق .
وفيه دليل على أن الحلق مرتب على قضاء المناسك كترتيب سائر أفعال المناسك
بعضها على بعض ، وقد احتج محمد لذلك بأنه لما سقط عنه سائر المناسك سقط
الحلق . ويحتمل ذلك من قوله وجهين : أحدهما أن يكون مراده المعنى الذي ذكرنا أن
الحلق مرتب على قضاء المناسك ، فلما سقط عنه سائر المناسك سقط الحلق . ويحتمل
أنه لما كان الحلق إذا وجب في الإحرام كان نسكا ، وقد سقط عن المحصر سائر
المناسك ، وجب أن يسقط عنه الحلق . فإن قيل : إنما سقط عنه سائر المناسك لتعذر
فعلها ، والحلق غير متعذر فعليه فعله . قيل له : هذا غلط ، لأن المحصر لو أمكنه
الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار ولم يمكنه الوصول إلى البيت ولا الوقوف بعرفة لا يلزمه
الوقوف بالمزدلفة ولا رمي الجمار مع إمكانهما ، لأنهما مرتبان على مناسك تتقدمهما .
كذلك لما كان الحلق مرتبا على أفعال أخر ، لم يكن فعله قبلهما نسكا . فقد سقط بما
ذكرنا اعتراض السائل لوجودنا مناسك يمكنه فعلها ، ولم تلزمه مع ذلك عند كونه
محصرا .
فإن احتج محتج لأبي يوسف بقوله : ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي
محله ) فجعل بلوغه محله غاية لزوال الحظر ، وواجب أن يكون حكم الغاية بضد ما
قبلها ، فيكون تقديره : ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فإذا بلغ فاحلقوا )
وذلك يقتضي وجوب الحلق . قيل له : هذا غلط ، لأن الإباحة هي ضد الحظر كما أن
الإيجاب ضده ، فليست في صرفه إلى أحد الضدين وهو الإيجاب بأولى من الآخر وهو
الإباحة . وأيضا فإن ارتفاع الحظر غير موجب لفعل ضده على جهة الإيجاب ، وإنما الذي
يقتضيه زوال الحظر بقاء الشئ على ما كان عليه قبله فيكون بمنزلته قبل الإحرام ، فإن
شاء حلق وإن شاء ترك ، ألا ترى أن زوال حظر البيع بفعل الجمعة وزوال حظر الصيد
بالإحلال لم يقتض إيجاب البيع ولا الاصطياد وإنما اقتضى إباحتهما ؟
ويحتج لأبي يوسف بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله المحلقين ) ثلاثا ، ودعا للمقصرين
مرة ، وذلك في عمرة الحديبية عند الإحصار ، فدل ذلك على أنه نسك ، وإذا كان نسكا
وجب فعله كما يجب عند قضاء المناسك لغير المحصر . والجواب : أن أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم اشتد عليهم الحلق والإحلال قبل الطواف بالبيت ، فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال
توقفوا رجاء أن يمكنهم الوصول وأعاد عليهم القول ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ فنحر هديه
وحلق رأسه ، فلما رأوه كذلك حلق بعض وقصر بعض فدعا للمحلقين لمبالغتهم في
متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ومسارعتهم إلى أمره ، ولما قيل له : يا رسول الله دعوت للمحلقين ثلاثا
أحكام القرآن — صفحة 335
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٥