وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد المروزي
قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن
صفية ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ثم قمت فانقلبت ،
فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار ، فلما
رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ، فقال عليه السلام : ( على رسلكما ! إنها صفية بنت حيي ) قالا :
سبحان الله يا رسول الله ! قال : ( إن الشيطان يجري من الانسان مجرى الدم فخشيت أن
يقذف في قلوبكما شيئا - أو قال شرا ) فتشاغل في اعتكافه بمحادثة صفية ومشى معها إلى
باب المسجد . وهذا يبطل قول من قال : لا يتشاغل بالحديث ولا يقوم فيمشي إلى أملاك
في المسجد . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا سليمان بن حرب
ومسدد قالا : حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : ( كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلال الحجرة فأغسل رأسه
وأرجله وأنا حائض ) . وقد حوى هذا الخبر أحكاما ، منها : إباحة غسل الرأس وهو في
المسجد ، ومنها : جواز المباشرة واللمس بغير شهوة للمعتكف ، ومنها : جواز غسل
الرأس في حال الاعتكاف ، وغسل الرأس إنما هو لإصلاح البدن . فدل ذلك على أن
للمعتكف أن يفعل ما فيه صلاح بدنه ، ودل أيضا على أنه له أن يشتغل بما فيه صلاح
ماله ، كما أبيح له الاشتغال بإصلاح بدنه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قتال المؤمن كفر وسبابه
فسق ، وحرمة ماله كحرمة دمه ) . ودل أيضا على أن للمعتكف أن يتزين ، لأن ترجيل
الرأس من الزينة . ويدل على أن من كان في المسجد فأخرج رأسه فغسله كان غاسلا له
في المسجد ، وهو يدل على قولهم فيمن حلف لا يغسل رأس فلان في المسجد أنه يحنث
إن أخرج رأسه من المسجد فغسله والحالف خارج المسجد ، وأنه إنما يعتبر موضع
المغسول لا الغاسل ، لأن الغسل لا يكون إلا وهو متصل به يقتضي وجود المغسول ،
ولذلك قالوا فيمن حلف لا يضرب فلانا في المسجد أنه يعتبر وجود المضروب في
المسجد لا الضارب . ويدل أيضا على طهارة يد الحائض وسؤرها وأن حيضها لا يمنع
طهارة بدنها ، وهو كقوله عليه السلام : ( ليس حيضك في يدك ) والله أعلم .
باب ما يحله حكم الحاكم وما لا يحله
قال الله تعالى : ( بكر أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا
فريقا من أموال الناس بالإثم ) والمراد والله أعلم : لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل ،
كما قال تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم ) [ النساء : 29 ] وقوله : ( ولا تلمزوا أنفسكم )
[ الحجرات : 11 ] يعني بعضكم بعضا ، وكما قال عليه السلام : ( أموالكم وأعراضكم
أحكام القرآن — صفحة 303
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٣