باب الاعتكاف
قال الله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) ومعنى الاعتكاف في
أصل اللغة : هو اللبث ، قال الله : ( وما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) [ الأنبياء : 25 ]
وقال تعالى : ( فنظل لها عاكفين ) [ شعراء : 17 ] ، وقال الطرماح :
فباتت بنات الليل حولي عكفا * عكوف البواكي بينهن صريع
ثم نقل في الشرع إلى معان أخر مع اللبث لم يكن الاسم يتناولها في اللغة ، منها
الكون في المسجد ، ومنها الصوم ، ومنها ترك الجماع رأسا ونية التقرب إلى الله عز
وجل . ولا يكون معتكفا إلا بوجود هذه المعاني ، وهو نظير ما قلنا في الصوم إنه اسم
للإمساك في اللغة ثم زيد فيه معان أخر لا يكون الإمساك صوما شرعيا إلا بوجودها .
وأما شرط اللبث في المسجد فإنه للرجال خاصة دون النساء ، وأما شرط كونه في
المسجد في الاعتكاف فالأصل فيه قوله عز وجل : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في
المساجد ) فجعل من شرط الاعتكاف الكون في المسجد .
وقد اختلف السلف في المسجد الذي يجوز الاعتكاف فيه على أنحاء ، وروي عن
أبي وائل عن حذيفة أنه قال لعبد الله : رأيت ناسا عكوفا بين دارك ودار الأشعري لا تعير ،
وقد علمت أن لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو في المسجد الحرام ، فقال عبد الله :
لعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت . وروى إبراهيم النخعي أن حذيفة قال :
( لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجد النبي
صلى الله عليه وسلم ) . وروي عن قتادة عن سعيد بن المسيب ( لا اعتكاف إلا في مسجد نبي ) . وهذا
موافق لمذهب حذيفة ، لأن المساجد الثلاثة هي مساجد الأنبياء عليهم السلام . وقول
آخر : وهو ما روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال : ( لا اعتكاف إلا في
المسجد الحرام أو مسجد النبي عليه السلام . وروي عن عبد الله بن مسعود وعائشة
وإبراهيم وسعيد بن جبير وأبي جعفر وعروة بن الزبير : ( لا اعتكاف إلا في مسجد
جماعة ) . فحصل من اتفاق جميع السلف أن من شرط الاعتكاف الكون في المسجد على
اختلاف منها في عموم المساجد وخصوصها على الوجه الذي بينا ، ولم يختلف فقهاء
الأمصار في جواز الاعتكاف في سائر المساجد التي تقام فيها الجماعات إلا شئ يحكى
عن مالك ذكره عنه ابن عبد الحكم قال : ( لا يعتكف أحد إلا في المسجد الجامع أو في
رحاب المساجد التي تجوز فيها الصلاة ) . وظاهر قوله : ( وأنتم عاكفون في المساجد )
يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ ، ومن اقتصر به على بعضها فعليه بإقامة
أحكام القرآن — صفحة 294
مساهمون: الجصاص
ص٢٩٤