فعليه إكمال عدده من غيره ، ولو اقتصر على شهر هو تسعة وعشرون لما كان مكملا
للعدة ، فثبت بذلك بطلان قول من اعتبر شهرا بشهر وأسقط اعتبار العدد . ويدل على
ذلك اتفاق الجميع على أن إفطاره بعض رمضان يوجب قضاء ما أفطر بعدده ، كذلك
يجب أن يكون حكم إفطار جميعه في اعتبار عدده . وأما إذا صام أهل مصر للرؤية تسعة
وعشرين يوما وأهل مصر آخر للرؤية ثلاثين يوما ، فإنما أوجب أصحابنا على الذين
صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم ، لقوله تعالى : ( ولتكملوا العدة ) فأوجب إكمال
عدة الشهر ، وقد ثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون يوما ، فوجب على هؤلاء إكمالها ،
لأن الله لم يخصص بإكمال العدة قوما دون قوم فهو عام في جميع المخاطبين . ويحتج له
بقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وقد أريد بشهود الشهر العلم به ، لأن من
لا يعلم به فليس عليه صومه ، فلما صح له العلم بأن الشهر ثلاثون يوما برؤية أهل البلد
الذين رأوه وجب عليه صومه .
فإن قيل : إنما هو على من علم به في أوله . قيل له : هو على من علم به في أوله
وبعد انقضائه ، ألا ترى أن من كان في دار الحرب فلم يعلم بشهر رمضان ثم علم بمضيه
أن عليه أن يقضيه ؟ فدل ذلك على أن الأمر قد تناول الجميع . ويدل عليه أيضا قوله
صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) . والذين صاموا تسعة
وعشرين قد غم عليهم رؤية أولئك ، فكان ذلك بمنزلة الحائل بينهم وبين الرؤية ، فوجب
عليهم أن يعدوا ثلاثين .
فإن قيل : قوله عليه السلام ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) يوجب اعتبار رؤية كل
قوم في بلدهم دون اعتبار رؤية غيرهم في سائر البلدان ، وكل قوم رأوا الهلال فالفرض
عليهم العمل على رؤيتهم في الصيام والإفطار بقوله عليه السلام ( صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤيته ) . ويدل عليه اتفاق الجميع على أن على أهل كل بلد أن يصوموا لرؤيتهم وأن
يفطروا لرؤيتهم ، وليس عليهم انتظار رؤية غيرهم من أهل سائر الآفاق ، فثبت بذلك أن
كلا منهم مخاطب برؤية أهل بلده دون غيرهم . قيل له : معلوم أن قوله عليه السلام :
( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) عام في أهل سائر الآفاق ، وأنه غير مخصوص بأهل بلد
دون غيرهم . وإذا كان كذلك فمن حيث وجب اعتبار رؤية أهل بلد في الصوم والإفطار
وجب اعتبار رؤية غيرهم أيضا ، فإذا صاموا للرؤية تسعة وعشرين يوما وقد صام غيرهم
أيضا للرؤية ثلاثين ، فعلى هؤلاء قضاء يوم لوجود الرؤية منهم بما يوجب صوم ثلاثين
يوما . وأما المحتج باتفاق الجميع على أن على كل أهل بلد من الآفاق اعتبار رؤيتهم دون
انتظار رؤية غيرهم ، فإنما يوجب ذلك عندنا على شريطة أن لا تكون رؤية غيرهم مخالفة
أحكام القرآن — صفحة 268
مساهمون: الجصاص
ص٢٦٨