نوى ) فإن صامه تطوعا فعنه روايتان ، إحداهما : أنه عن رمضان ، والأخرى : أنه تطوع .
وقال أبو يوسف ومحمد : ( هو عن رمضان في الوجهين جميعا ) . وقال أصحابنا جميعا
في المقيم إذا نوى بصيامه واجبا غيره أو تطوعا أنه عن رمضان ويجزيه . وقال الثوري
والأوزاعي في امرأة صامت رمضان تطوعا فإذا هو من شهر رمضان : ( أجزأها ) وقالا :
( من صام في أرض العدو تطوعا وهو لا يعلم أنه رمضان أجزى عنه ) . وقال مالك
والليث : ( من صام في أول يوم من رمضان وهو لا يعلم أنه رمضان لم يجزه ) . وقال
الشافعي : ( ليس لأحد أن يصوم دينا ولا قضاء لغيره في رمضان ، فإن فعل لم يجزه
لرمضان ولا لغيره ) .
قال أبو بكر : نبتدئ بعون الله تعالى بالكلام في المقيم يصوم رمضان تطوعا ،
فنقول : الدلالة على صحة قول أصحابنا من طريق الظاهر وجوه ، أحدها : قوله عز
وجل : ( كتب عليكم الصيام ) إلى قوله : ( وأن تصوموا خير لكم ) ولم يخصص
صوما ، فهو على سائر ما يصومه من تطوع أو فرض في كونه مجزيا عن الفرض ، لأنه
لا يخلو الصائم تطوعا أو واجبا غيره أن يكون صوما عما نوى دون رمضان ، أو يكون
ملغى لا حكم له بمنزلة من لم يصم ، أو مجزيا عن رمضان ، فلما كان وقوعه عما نوى
وكونه ملغى مانعين من أن يكون هذا الصيام خيرا له بل يكون وقوعه عن رمضان خيرا له ،
وجب أن لا يكون ملغى ، ولا عما نوى من غير رمضان . ويدل عليه أيضا قوله تعالى :
( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ثم لم قال في نسق التلاوة : ( ومن كان مريضا أو على
سفر فعدة من أيام أخر ) ومعلوم عند جميع فقهاء الأمصار إضمار الإفطار فيه ، وأن
تقديره : ( فأفطر فعدة من أيام أخر ) فإنما أوجب القضاء على المسافر والمريض إذا
أفطرا ، فثبت بذلك أن من صام من المقيمين ولم يفطر فلا قضاء عليه ، إذ قد تضمنت
الآية صيام الجميع من المخاطبين إلا من أفطر من المرضى والمسافرين . ويدل عليه قول
النبي صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته . فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) فاقتضى ظاهر
ذلك جوازه على أي وجه أوقع صومه من تطوع أو غيره . ومن جهة النظر أن صوم
رمضان لما كان مستحق العين في هذا الوقت أشبه طواف الزيارة في يوم النحر ، فعلى أي
وجه أوقعه أجزأ عن الفرض . على أنه لو نواه عن غيره لم يكن عما نواه ، فلولا أنه قد
أجرى عن الفرض لوجب أن يجزيه عما نوى كصيام سائر الأيام يجزي عما نوى .
فإن قيل : إن صلاة الظهر مستحقة العين لهذا الوقت إذا بقي من الوقت مقدار ما
يصلي فيه الظهر ، ولم يوجب ذلك جوازها بينة النفل . قيل له : وقت الظهر غير مستحق
العين لفعلها ، لأنه يتسع لفعلها ولغيرها ، ولا فرق بين أول الوقت وآخره ، فإذا كان فعل
أحكام القرآن — صفحة 264
مساهمون: الجصاص
ص٢٦٤