عن الركين بن الربيع عن أبيه قال : كنت مع سليمان بن ربيعة ببلنجز فرأيت الهلال ضحى
فأخبرته ، فجاء فقام تحت شجرة فنظر إليه ، فلما رآه أمر الناس أن يفطروا .
قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من
الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) وقد كان هذا الرجل مخاطبا بفعل
الصوم في آخر رمضان مرادا بقوله تعالى : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط
الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) فواجب أن يكون داخلا في خطاب قوله : ( ثم
أتموا الصيام إلى الليل ) لأن الله تعالى لم يخص حالا من حال ، فهو على سائر الأحوال
سواء رأى الهلال بعد ذلك أو لم يره . ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن رؤيته بعد
الزوال لم يزل عنه الخطاب بإتمام الصوم بل كان داخلا في حكم اللفظ ، فكذلك رؤيته
قبل الزوال لدخوله في عموم اللفظ . ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته
وأفطروا لرؤيته ) ومعلوم أن مراده صوم يستقبله بعد الرؤية ، والدلالة على ذلك من
وجهين ، أحدهما : استحالة الأمر بصوم يوم ماض ، والآخر : اتفاق المسلمين على أنه إذا
رأى الهلال في أخر ليلة من شعبان كان عليه صيام ما يستقبل من الأيام . فثبت أن قوله
عليه السلام : ( صوموا لرؤيته ) إنما هو صوم بعد الرؤية ، فمن رأى الهلال نهارا قبل
الزوال في آخر يوم من شعبان لزمه صوم ما يستقبل دون ما مضى لقصور مراد النبي صلى الله عليه وسلم
على صوم يفعله بعد الرؤية . وأيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن
غم عليكم فعدوا ثلاثين ) فأوجب بذلك اعتبار الثلاثين لكل شهر يخفى علينا رؤية الهلال
فيه ، فلو احتمل الهلال الذي رأى نهارا الليلة الماضية واحتمل الليلة المستقبلة لكان
الاحتمال لذلك جاعله في حكم ما خفي علينا رؤيته ، فواجب أن يعد الشهر ثلاثين يوما
بقضية قوله عليه السلام .
فإن قيل : لما قال عليه السلام : ( وأفطروا لرؤيته ) اقتضى ظاهر الأمر بالإفطار أي
وقت رأى الهلال فيه ، فلما اتفق الجميع على أنه مزجور عن الإفطار لرؤيته بعد الزوال
خصصناه منه وبقي حكم العموم في رؤيته قبل الزوال . قيل له : مراده صلى الله عليه وسلم رؤيته ليلا ،
بدلالة أن رؤيته بعد الزوال لا توجب له الإفطار لأنه رآه نهارا ، وكذلك حكمه قبل الزوال
لوجود هذا المعنى . وأيضا لو كان ذلك محمولا على حقيقته لاقتضى أن يكون ما بعد
الرؤية من ذلك اليوم من شوال وما قبله من رمضان ، لحصول اليقين بأن مراده الإفطار
لرؤية متقدمة لا لرؤية متأخرة عنه ، لاستحالة أمره بالإفطار في وقت قد تقدم الرؤية ،
فيوجب ذلك أن يكون ما بعد الرؤية من هذا اليوم من شوال وما قبلها من رمضان ، فيكون
الشهر تسعة وعشرين يوما وبعض يوم .
أحكام القرآن — صفحة 251
مساهمون: الجصاص
ص٢٥١