بذلك أن إيجاد النية من الليل ليس بشرط في الصوم المستحق العين ، وصار ذلك أصلا
في نظائره مما يوجبه الانسان على نفسه من الصوم في وقت بعينه أنه يصح بنية يحدثها
بالنهار قبل الزوال .
فإن قيل : فرض صوم عاشوراء منسوخ برمضان ، فكيف يستدل بالمنسوخ على
صوم ثابت الحكم مفروض ؟ ! قيل له : إنه وإن نسخ فرضه فلم ينسخ دلالته فيما دلت
عليه من نظائره ، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس قد نسخ ولم ينسخ بذلك
سائر أحكام الصلاة ؟ وكذلك قد نسخ فرض صلاة الليل ولم ينسخ سائر أحكام الصلاة ؟
ولم يمنع نسخها من الاستدلال بقوله تعالى : ( فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ) [ المزمل :
20 ] في إثبات التخيير في إيجاب القراءة بما شاء منه ، وإن كان ذلك نزل في شأن صلاة
الليل وإنما قالوا : إنه يجزي أن ينويه قبل الزوال ولا يجوز بعده ، لما روي في بعض
الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي فقال : ( من تغدى منكم فيمسك ومن لم يتغد
فليصم ! ) والغداء على ما قبل الزوال . ثم لا يخلو ذكر الغداء من وجهين إما أن يكون قال
ذلك بالغداة قبل الزوال ، أو بين لهم أن جواز النية متعلق بوجودها قبل الزوال في وقت
يسمى غداة ، وإلا كان اقتصر على ذكر الأكل دون ذكر الغداة لو كان حكم ما قبل الزوال
وبعده سواء ، فلما أوجب أن يكسو هذا اللفظ فائدته لئلا يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن فائدة ،
وجب أن يختلف حكم نيته قبل الزوال وبعده .
وإنما أجازوا ترك النية من الليل في صوم التطوع بما حدثنا عبد الباقي بن قانع
قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن السلمي
البلخي قال : حدثنا عمر بن هارون ، عن يعقوب بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع للصوم فيبدو له فيصوم ) . قالت عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم
يأتينا فيقول : ( هل عندكم من طعام ؟ ) فإن كان وإلا قال : ( فإني إذا صائم ) .
فإن قيل : إذا لم يعزم النية من الليل حتى أصبح فقد وجد غير صائم في بعض
النهار ، فكان بمنزلة الآكل ، فلا يصح له صوم يومه قيل له : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء
صوم التطوع في بعض النهار ، واتفق الفقهاء عليه ، ولم يجعلوا ما مضى من النهار عاريا
من نية متقدمة مانعا من صحة صومه ، ولم يكن ذلك بمنزلة الأكل في أول النهار في منع
صحة صوم التطوع ، فكذلك عدم نية الصوم في المستحق العين من الصيام لا يمنع ابتداء
صومه ، ولا يكون عدم النية في أوله بمنزلة وجود الأكل فيه كما لم يكن ذلك حكمه في
التطوع . وأيضا فلو نوى الصوم من الليل ثم عزبت نيته لم يكن عزوب نيته مانعا من
صحة صومه ، ولم يكن شرط بقائه استصحاب النية له ، فلذلك جاز ترك النية في أول
أحكام القرآن — صفحة 242
مساهمون: الجصاص
ص٢٤٢