فرض القراءة متعينا بها لما قال : ( ولو بفاتحة الكتاب فما زاد ) ولقال : بفاتحة الكتاب .
ومما يدل على ما ذكرنا حديث ابن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي
هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج )
ورواه مالك وابن جريج عن العلاء عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، واختلافهما في السند على هذا الوجه لا يوهنه ، لأنه قد روي أنه قد سمع
من أبيه ومن أبي السائب جميعا . فلما قال : ( فهي خداج ) والخداج الناقصة ، دل ذلك
على جوازها مع النقصان ، لأنها لو لم تكن جائزة لما أطلق عليها اسم النقصان ، لأن
إثباتها ناقصة ينفي بطلانها ، إذ لا يجوز الوصف بالنقصان لما لم يثبت منه شئ . ألا ترى
أنه لا يقال للناقة إذا حالت فلم تحمل أنها قد أخدجت ، وإنما يقال : أخدجت وخدجت ،
إذا ألقت ولدها ناقص الخلقة أو وضعته لغير تمام في مدة الحمل . فأما ما لم تحمل فلا
توصف بالخداج . فثبت بذلك جواز الصلاة بغير فاتحة الكتاب ، إذ النقصان غير ناف
للأصل ، بل يقتضي ثبوت الأصل حتى يصح وصفها بالنقصان . وقد روى أيضا عباد بن
عبد الله بن الزبير عن عائشة عن النبي عليه السلام ، قال : ( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب فهي خداج ) فأثبتها ناقصة ، وإثبات النقصان يوجب ثبوت الأصل على ما وصفنا .
وقد روي أيضا عن النبي عليه السلام : ( أن الرجل ليصلي الصلاة يكتب له نصفها خمسها
عشرها ) فلم يبطل جزء بنقصانها .
فإن قال قائل : قد روى هذا الحديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي السائب
مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى صلاة ولم يقرأ
فيها شيئا من القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام ) وهذا الحديث يعارض
حديث مالك وابن عيينة في ذكرهما فاتحة الكتاب دون غيرها ، وإذا تعارضا سقطا ، فلم
يثبت كونها ناقصة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب - قيل له : لا يجوز أن يعارض مالك
وابن عيينة بمحمد بن عجلان ، بل السهو والإغفال أجوز عليه منهما ، فلا يعترض على
روايتهما به . وعلى أنه ليس فيه تعارض ، إذ جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قالهما جميعا ،
قال مرة وذكر فاتحة الكتاب ، وذكر مرة أخرى القراءة مطلقة . وأيضا فجائز أن يكون
المراد بذكر الإطلاق ما قيده في خبر هذين . فإن قال قائل : إذا جوزت أن يكون النبي
عليه السلام قد قال الأمرين ، فحديث محمد بن عجلان يدل على جواز الصلاة بغير قراءة
رأسا ، لإثباته إياها ناقصة مع عدم القراءة رأسا - قيل له : نحن نقبل هذا السؤال ، ونقول :
كذلك يقتضي ظاهر الخبرين . إلا أن الدلالة قامت على أن ترك القراءة يفسدها ، فحملناه
على معنى الخبر الآخر .
أحكام القرآن — صفحة 23
مساهمون: الجصاص
ص٢٣