على ولديهما ، لأن الصيام لا يكون خيرا لهما . ويدل عليه أيضا ما قدمنا من حديث
أنس بن مالك القشيري في تسوية النبي صلى الله عليه وسلم بين المريض والمسافر وبين الحامل والمرضع
في حكم الصوم .
وقوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) الآية قال أبو بكر : قد بينا فيما
سلف قول من قال : إن الفرض الأول كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر بقوله : ( كتب
عليكم الصيام ) وقوله تعالى : ( أياما معدودات ) وأنه نسخ بقوله : ( شهر رمضان الذي
أنزل فيه القرآن ) وقوله من قال : إن شهر رمضان بيان للموجب بقوله : ( كتب عليكم
الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) وقوله : ( أياما معدودات ) فيصير تقديره ( أياما
معدودات هي شهر رمضان ) فإن كان صوم الأيام المعدودات منسوخا بقوله : ( شهر
رمضان ) إلى قوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فقد انتظم قوله : ( شهر رمضان )
نسخ حكمين من الآية الأولى ، أحدهما : الأيام المعدودات التي هي غير شهر رمضان ،
والآخر : التخيير بين الصيام والإطعام في قوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام
مسكين ) ، على نحو ما قدمنا ذكره عن السلف ، وإن كان قوله : ( شهر رمضان ) بيانا
لقوله : ( أياما معدودات ) فقد كان لا محالة بعد نزول فرض رمضان التخيير ثابتا بين
الصوم والفدية في أول أحوال إيجابه ، فكان هذا الحكم مستقرا ثابتا ، ثم ورد عليه النسخ
بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) إذ غير جائز ورود النسخ قبل وقت الفعل
والتمكن منه . والصحيح هو القول الثاني : لاستفاضة الرواية عن السلف بأن التخيير بين
الصوم والفدية كان في شهر رمضان وأنه نسخ بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) .
فإن قيل : ( في فحوى الآية دلالة على أن المراد بقوله : ( أياما معدودات ) غير شهر
رمضان ، لأنه لم يرد إلا مقرونا بذكر التخيير بينه وبين الفدية ، ولو كان قوله : ( أياما
معدودات ) فرضا مجملا موقوف الحكم على البيان لما كان لذكر التخيير قبل ثبوت
الفرض معنى . قيل له : لا يمتنع ورود فرض مجملا مضمنا بحكم مفهوم المعنى موقوف
على البيان ، فمتى ورد البيان بما أريد منه كان الحكم المضمن به ثابتا معه ، فيكون
تقديره : أياما معدودات حكمها إذا بين وقتها ومقدارها أن يكون المخاطبون به مخيرين
بين الصوم والفدية كما قال تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) [ التوبة : 103 ]
فاسم الأموال عموم يصح اعتباره فيما علق به من الحكم ، والصدقة مجملة مفتقرة إلى
البيان ، فإذا ورد بيان الصدقة كان اعتبار عموم اسم الأموال سائغا فيها ، ولذلك نظائر
كثيرة . ويحتمل أن يكون قوله : ( وعلى الذين يطيقونه ) متأخرا في التنزيل وإن كان
مقدما في التلاوة ، فيكون تقدير الآيات وترتيب معانيها : ( أياما معدودات هي شهر
أحكام القرآن — صفحة 223
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٣