وكانت عائشة تقرأ : ( وعلى الذين يطوقونه ) . وروى خالد الحذاء عن عكرمة أنه كان
يقرأ : ( وعلى الذين يطيقونه ) قال ( أنها ليست بمنسوخة ) . وروى الحجاج عن أبي
إسحاق عن الحرث عن علي : ( وعلى الذين يطيقونه ) قال : ( والشيخة ) .
قال أبو بكر : فقالت الفرقة الأولى من الصحابة والتابعين وهم الأكثرون عددا ( إن
فرض الصوم بديا نزل على وجه التخيير لمن يطيقه بين الصيام وبين الفدية ، وإنه نسخ عن
المطيق بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وقالت الفرقة الثانية : ( هي غير
منسوخة ، بل هي ثابتة على المريض والمسافر يفطران ويقضيان وعليهما الفدية مع
القضاء ) . وكان ابن عباس وعائشة وعكرمة وسعيد بن المسيب يقرؤنها : ( وعلى الذين
يطوقونه ) فاحتمل هذا اللفظ معاني ، منها ما بينه ابن عباس أنه أراد الذين كانوا يطيقونه ثم
كبروا فعجزوا عن الصوم فعليهم الإطعام . والمعنى الآخر أنهم يكلفونه على مشقة فيه
وهم لا يطيقونه لصعوبته ، فعليهم الإطعام . ومعنى آخر ، وهو أن حكم التكليف يتعلق
عليهم وإن لم يكونوا مطيقين للصوم فيقوم لهم الفدية مقام ما لحقهم من حكم تكليف
الصوم ، ألا ترى أن حكم تكليف الطهارة بالماء قائم على التيمم وإن لم يقدر عليه حتى
أقيم التراب مقامه ولولا ذلك لما كان التيمم بدلا منه ؟ وكذلك حكم تكليف الصلاة قائم
على النائم والناسي في باب وجوب القضاء لا على وجه لزمه بالترك ، فلما أوجب تعالى
عليه الفدية في حال العجز والإياس عن القضاء أطلق فيه اسم التكليف بقوله : ( وعلى
الذين يطيقونه ) إذ كانت الفدية هي ما قام مقام غيره . فالقراءتان على هذا الوجه
مستعملتان إلا أن الأولى وهي قوله : ( وعلى الذين يطيقونه ) لا محالة منسوخة لما ذكره
من روينا عنه من الصحابة وأخبارهم عن كيفية الفرض وصفته بديا ، وأن المطيق للصوم
منهم كان مخيرا بين الصيام والإفطار والفدية . وليس هذا من طريق الرأي . لأنه حكاية
حال شاهدوها وعلموا أنها بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عليها . وفي مضمون الخطاب من
أوضح الدلالة على ذلك ما لو لم يكن معنا رواية عن السلف في معناه لكان كافيا في
الإبانة عن مراده ، وهو قوله تعالى : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر )
فابتدأ تعالى بيان حكم المريض والمسافر وأوجب عليهما القضاء إذا أفطرا ، ثم عقبه
بقوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) فغير جائز أن يكون هؤلاء هم المرضى
والمسافرين ، إذ قد تقدم ذكر حكمهما وبيان فرضهما بالاسم الخاص لهما ، فغير جائز أن
يعطف عليهما بكناية عنهما مع تقديمه ذكرهما منصوصا معينا ، ومعلوم أن ما عطف عليه
فهو غيره ، لأن الشئ لا يعطف على نفسه . ويدل على أن المراد المقيمون المطيقون
للصوم ، أن المريض المذكور في الآية هو الذي يخاف ضرر الصوم ، فكيف يعبر عنه
أحكام القرآن — صفحة 216
مساهمون: الجصاص
ص٢١٦