عن ذلك ، فقال ( إطراق فحلها وإعارة ذلولها ومنحة سمينها ) . فذكر في هذين الحديثين
أن في المال حقا سوى الزكاة ، وبين في الحديث الأول أنه تأويل قوله تعالى : ( ليس البر
أن تولوا وجوهكم ) الآية . وجائز أن يريد بقوله : ( في المال حق سوى الزكاة ) ما يلزم من
صلة الرحم بالإنفاق على ذوي المحارم الفقراء ، ويحكم به الحاكم عليه لوالديه وذوي
محارمه إذا كانوا فقراء عاجزين عن الكسب . وجائز أن يريد به ما يلزمه من طعام الجائع
المضطر . وجائز أن يريد به حقا مندوبا إليه لا واجبا ، إذ ليس قوله : ( في المال حق )
يقتضي الوجوب ، إذ من الحقوق ما هو ندب ومنها ما هو فرض .
وحدثنا عبد الباقي : حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان قال : حدثنا كثير بن عبيد :
حدثنا بقية عن رجل من بني تميم يكنى أبا عبد الله ، عن الضبي الشعبي ، عن مسروق ، عن
علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نسخت حتى الزكاة كل صدقة ) . وحدثنا عبد الباقي قال :
حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال : حدثنا علي بن سعيد قال : حدثنا المسيب بن
شريك ، عن عبيد المكتب ، عن عامر ، عن مسروق ، عن علي قال : ( نسخت الزكاة كل
صدقة ) .
فإن صح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فسائر الصدقات الواجبة منسوخة بالزكاة ، وإن
لم يصح ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لجهالة راويه فإن حديث علي عليه السلام حسن
السند ، وهو يوجب أيضا إثبات نسخ الصدقات التي كانت واجبة بالزكاة ، وذلك لا يعلم
إلا من طريق التوقيف ، فيعلم بذلك أن ما قاله علي هو بتوقيف من النبي عليه السلام
إياه عليه ، وحينئذ يكون المنسوخ من الصدقات صدقات قد كانت واجبة ابتداء بأسباب
من قبل من يجب عليه تقتضي لزوم اخراجها ثم نسخت بالزكاة نحو قوله تعالى : ( وإذا
حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) [ النساء : 8 ] ونحو ما روي
في قوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) [ الأنعام : 141 ] أنه منسوخ عند بعضهم
بالعشر ونصف العشر ، فيكون المنسوخ بالزكاة مثل هذه الحقوق الواجبة في المال من
غير ضرورة . وأما ما ذكرنا من الحقوق التي تلزم من نحو الانفاق على ذوي الأرحام عند
العجز عن التكسب وما يلزم من إطعام المضطر ، فإن هذه فروض لازمة ثابتة غير منسوخة
بالزكاة . وصدقة الفطر واجبة عند سائر الفقهاء ولم تنسخ بالزكاة مع أن وجوبها ابتداء من
قبل الله تعالى غير متعلق بسبب من قبل العبد ، فهذا يدل على أن الزكاة لم تنسخ صدقة
الفطر . وقد روى الواقدي عن عبد الله بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة
قالت : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل أن تفرض الزكاة ، فلما فرضت الزكاة لم
يأمرهم ولم ينههم وكانوا يخرجونها ) . فهذا الخبر لو صح لم يدل على نسخها ، لأن
أحكام القرآن — صفحة 161
مساهمون: الجصاص
ص١٦١