فيكون البغي والعدوان حالا له عند الضرورة قبل أن يأكل ، فلا يكون ذلك صفة للأكل ،
وعند الأولين يكون صفة للأكل .
والحذف في هذا الموضع كالحذف في قوله : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر
فعدة من أيام أخر ) [ البقرة : 184 ] والمعنى : ( فأفطر فعدة من أيام أخر ) فحذف
( فأفطر ) . وقوله ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ) [ البقرة :
196 ] ومعناه : ( فحلق ففدية ) وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالمحذوف ودلالة
الخطاب عليه . وهذا يوجب أن يكون حمله على البغي والعدوان في الأكل أولى منه على
المسلمين ، وذلك لأنه لم يتقدم للمسلمين في الآية ذكر لا محذوفا ولا مذكورا كحذف
الأكل ، فحمله على ما في مقتضى الآية بأن يكون حالا له فيه وصفة أولى من حمله على
معنى لم يتضمنه اللفظ لا محذوفا ولا مذكورا .
وأما قوله : ( إلا ما اضطررتم إليه ) [ الأنعام : 119 ] فلا ضمير فيه ولا حذف ، لأنه
لفظ مستغن بنفسه ، إذ هو استثناء من جملة مفهومة المعنى وهو التحريم بقوله : ( وقد
فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) [ الأنعام : 119 ] فإنه مباح لكم . وهذا
اللفظ مستغن عن الضمير . ومعنى الضرورة ههنا هو خوف الضرر على نفسه أو بعض
أعضائه بتركه الأكل . وقد انطوى تحته معنيان ، أحدهما : أن يحصل في موضع لا يجد
غير الميتة ، والثاني : أن يكون غيرها موجودا ولكنه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف
نفسه أو تلف بعض أعضائه . وكلا المعنيين مراد بالآية عندنا لاحتمالهما ، وقد روي عن
مجاهد أنه تأولها على ضرورة الإكراه ، ولأنه إذا كان المعنى في ضرورة الميتة ما يخاف
على نفسه من الضرر في ترك تناوله وذلك موجود في ضرورة الإكراه ، وجب أن يكون
حكمه حكمه ، ولذلك قال أصحابنا فيمن أكره على أكل الميتة فلم يأكلها حتى قتل كان
عاصيا لله ، كمن اضطر إلى ميتة بأن عدم غيرها من المأكولات فلم يأكل حتى مات كان
عاصيا ، كمن ترك الطعام والشراب وهو واجدهما حتى مات فيموت عاصيا لله بتركه
الأكل ، لأن أكل الميتة مباح في حال الضرورة كسائر الأطعمة في غير حال الضرورة ،
والله أعلم .
باب المضطر إلى شرب الخمر
قال أبو بكر : وقد اختلف في المضطر إلى شرب الخمر ، فقال سعيد بن جبير :
( المطيع المضطر إلى شرب الخمر يشربها ) وهو قول أصحابنا جميعا وإنما يشرب منها
مقدار ما يمسك به رمقه ، إذ كان يرد عطشه . وقال الحارث العكلي ومكحول :
أحكام القرآن — صفحة 157
مساهمون: الجصاص
ص١٥٧