الدرداء وأبي أمامة وكعب بن مالك وابن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) وهذه الأخبار كلها واهية السند عند أهل النقل كرهت الإطالة بذكر
أسانيدها وبيان ضعفها واضطرابها ، إذ ليس في شئ منها دلالة على موضع الخلاف ،
وذلك لأن قوله : ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له ، ويحتمل
أن يريد به إيجاب تذكيته كما تذكى أمه وأنه لا يؤكل بغير ذكاة كقوله تعالى : ( وجنة
عرضها السماوات والأرض ) [ آل عمران : 133 ] معناه كعرض السماوات والأرض ،
وكقول القائل : ( قولي قولك ومذهبي مذهبك ) والمعنى قولي كقولك ومذهبي كمذهبك ، أهل
قال الشاعر :
فعيناك عيناها وجيدك جيدها * سوى أن عظم الساق منك دقيق
ومعناه : فعيناك كعينيها وجيدك كجيدها . لأنه وإذا احتمل اللفظ لما وصفنا ولم يجز أن
يكون المعنيان جميعا مرادين بالخبر لتنافيهما ، إذ كان في أحد المعنيين إيجاب تذكيته ،
فإنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه والآخر يبيح أكله بذكاة أمه ، إذ غير معتبر ذكاته في
نفسه ، لم يجز لنا أن نخصص الآية به ووجب أن يكون محمولا على موافقة الآية ، إذ غير
جائز تخصيص الآية بخبر الواحد واهي السند محتمل لموافقتها . ويدل على أن مراده
إيجاب تذكيته كما تذكى الأم اتفاق الجميع على أنه إذا خرج حيا وجب تذكيته ولم يجز
الاقتصار على تذكية الأم ، فكان ذلك مرادا بالخبر فلم يجز أن يريد به مع ذلك أن ذكاة
أمه ذكاة له لتنافيهما وتضادهما ، إذ كان في أحد المعنيين إيجاب تذكيته وفي الآخر نفيه .
فإن قال قائل : ما أنكرت أن نريد المعنيين في حالين بأن يجب ذكاته إذا خرج حيا
ويقتصر على ذكاة أمه إذا خرج ميتا ، قيل له : ليس ذكر الحالين موجودا في الخبر ، وهو
لفظ واحد ولا يجوز أن يريد به الأمرين جميعا ، لأن في إرادة أحد المعنيين إثبات زيادة
حرف وليس في الآخر إثبات زيادة حرف ، وليس في الجائز أن يكون لفظ واحد فيه حرف
وغير حرف ، فلذلك بطل قول من يقول بإرادتهما .
فإن قيل : إذا كان إرادة أحد المعنيين توجب زيادة حرف وهو الكاف وليس في
الآخر زيادة فحمله على المعنى الذي لا يفتقر إلى زيادة أولى ، لأن حذف الحرف يوجب
أن يكون اللفظ مجازا ، وإذا لم يكن فيه حذف شئ فهو حقيقة ، وحمل اللفظ على
الحقيقة أولى من حمله على المجاز ! قيل له : كون الحرف محذوفا أو غير محذوف
لا يزيل عنه الاحتمال ، لأنه وإن كان مجازا فهو مفهوم اللفظ محتمل له ، ولا فرق بين
الحقيقة والمجاز فيما هو من مقتضى اللفظ ، فلم يجز من أجل ذلك تخصيص الآية .
فإن قال قائل : ليس في اللفظ احتمال كونه غير مذكى بذكاة الأم ، لأنه لا يسمى
أحكام القرآن — صفحة 136
مساهمون: الجصاص
ص١٣٦