سديدا يصلح لكم أعمالكم . فقالوا : يا أمير المؤمنين ما عندنا ممّا تسأل عنه شيء .
فقال : أما واللّه إنّي لأعرف أبا بجدتها وابن بجدتها ، وأين مفزعها وأين منزعها ، فقالوا :
كأنّك تعني ابن أبي طالب ؟ فقال عمر : للّه هو ، وهل طفحت حرّة بمثله وأبرعته ؟
انهضوا بنا إليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين أتصير إليه ؟ يأتيك . فقال : هيهات هناك شجنة من بني هاشم ، وشجنة من الرسول ، وأثرة من علم يؤتى لها ولا يأتي . في بيته يؤتى الحكم ، فاعطفوا نحوه . فألفوه في حائط له وهو يقرأ :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً
« 1 » ويردّدها ويبكي ، فقال عمر لشريح : حدّث أبا حسن بالذي حدّثتنا به .
فقال شريح : كنت في مجلس الحكم ، فأتى هذا الرجل فذكر أنّ رجلا أودعه امرأتين حرّة مهيرة « 2 » وأم ولد ، فقال له : أنفق عليهما حتى أقدم . فلمّا كان في هذه الليلة وضعتا جميعا إحداهما ابنا والأخرى بنتا ، وكلتاهما تدّعي الابن وتنتفي من البنت من أجل الميراث ، فقال له : بم قضيت بينهما ؟ فقال شريح : لو كان عندي ما أقضي به بينهما لم آتكم بهما ، فأخذ عليّ تبنة من الأرض فرفعها فقال : إنّ القضاء في هذا أيسر من هذه .
ثمّ دعا / بقدح فقال لإحدى المرأتين : احلبي . فحلبت ، فوزنه . ثمّ قال للأخرى : احلبي .
فحلبت ، فوزنه فوجده على النصف من لبن الأولى ، فقال لها : خذي أنت ابنتك ، وقال للأخرى : خذي أنت ابنك ، ثمّ قال لشريح : أما علمت أنّ لبن الجارية على النصف من لبن الغلام ؟ وأنّ ميراثها نصف ميراثه ؟ وأنّ عقلها نصف عقله ؟ وأنّ شهادتها نصف شهادته ؟ وأنّ ديتها نصف ديته ؟ وهي على النصف في كلّ شيء . فأعجب به عمر إعجابا شديدا ثمّ قال : أبا حسن لا أبقاني اللّه لشدّة لست لها ولا في بلد لست فيه .
كنز العمّال « 3 » ( 3 / 179 ) ، مصباح الظلام للجرداني « 4 » ( 2 / 56 ) .
هامش
( 1 ) القيامة : 36 .
( 2 ) المهيرة من النساء : الحرّة الغالية المهر ، جمعها مهائر . ( المؤلّف )
( 3 ) كنز العمّال : 5 / 830 ح 14508 .
( 4 ) مصباح الظلام : 2 / 136 ح 405 .