النفس والإحسان إليها ، ولولا إمكان ذلك لما صدر منه ، فقد اعتبر العارف الحقيقي العارف بنفسه الملتزم بهدي معرفته .
فالمعرفة الحقيقية تقتضي أثراً مسانخاً لها ، كما أن العقل الحقيقي يقتضي ذلك ؛ « العقل ما عُبد به الرحمان واكتسب به الجنان » « 1 » . فالأثر المسانخ للعقل هو عبادة الرحمن التي تؤدي إلى دخول الجنان ، وما ليس له مثل هذا الأثر فليس بعاقل حقيقة .
وكذلك قال عليه السلام : « أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه » . ولولا إمكان المعرفة لما كان لهذا الكلام معنىً ولما صدر من إمام الحكماء عليه السلام .
وروي عنه أيضاً : « عجبت لمن ينشد ضالّته وقد أضلّ نفسه فلا يطلبها » ؛ فلا يستحق شيء أن يُطلب ويُتقصى ما دام ما هو أشرف منه مضيَّعاً ، فقد ذمّ عليه السلام المنشغلين بالأدنى عما هو خير ، ولولا أن ذلك ممكن لما صحّ هذا الذمّ .
ولم تقتصر كلمات إمام الموحدين علي أمير المؤمنين عليه السلام على تأكيد معرفة النفس ، بل تعدّتها لبيان
أهمية هذه المعرفة الخطيرة وثمرتها اليانعة حيث قال : « أعظم الحكمة معرفة الإنسان نفسه » .
فإذا ضممنا هذا إلى قوله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً « 2 » تبيّن أن من أوضح مصاديق
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ، ج 1 ، ص 11 ، كتاب العقل والجهل ، الحديث : 3 .
( 2 ) البقرة : 269 .