فلا أنا أحفظ ما قد جمعت * ولا أنا من جمعه أشبع
وأقعد للجهل في مجلس * وعلمي في الكتب مستودع
ومن يك في علمه هكذا * يكن دهره القهقرى يرجع
يضيع من المال ما قد جمعت * وعلمك في الكتب مستودع
إذا لم تكن حافظا واعيا * فجمعك للكتب ما ينفع
وقال بعضهم : « الحفظ مع الإقلال أمكن ، وهو مع الإكثار أبعد .
وتغيير الطبائع زمن رطوبة الغصن أقبل » . وفيها قال الشاعر :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وقيل : « العلم في الصغر كالنقش في الحجر ، والعلم في الكبر كالعلامة على المدر . . » فسمع ذلك ، الأحنف ، فقال : « الكبير أكثر عقلا ولكنه أكثر شغلا » ، كما قال :
وإنّ من أدّبته في الصّبا * كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا * بعد الذي أبصرت من يبسه
والصبيّ عن الصبيّ أفهم ، وهو له آلف ، وإليه أنزع ؛ وكذلك العالم عن العالم ، والجاهل عن الجاهل . وقال اللّه تعالى : « ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا » ، لأن الإنسان عن الإنسان أفهم ، وطباعه بطباعه آنس .
وضده ، قال : دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب ، فقال :
« إني أكلت من لحوم الجوازئ « 1 » ، وطسئت طسأة « 2 » ، فأصابني وجع بين الوابلة « 3 » إلى دأية « 4 » العنق ؛ فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الشراسيف « 5 » ؛
هامش
( 1 ) الجوازئ : جمع جازئة وهي البقرة أو الظبية .
( 2 ) طسئت طسأة : اتخمت تخمة من أكل الدسم .
( 3 ) الوابلة : طرف العضد في الكتف .
( 4 ) دأية : فقرة أو عظم العنق .
( 5 ) الشراسيف : جمع شرسوف وهو طرف الضلع من جهة البطن .