تلفّت إلى آبائك الغرّ هل ترى * من القوم باق جاوزته حبول « 1 »
وهل نال في العيش الفتى فوق عمره ، * وهل بلّ من داء الحمام غليل
ومن مات لم يعلم وقد عانق الثّرى * بكاه خليل أم سلاه خليل
فكفكف عنان الوجد ، إمّا تعزّيا ، * وإمّا طلابا أن يقال حمول
فكلّ ، وإن لم يعجل الموت ، ذاهب ، * إلا إنّ أعمار الأنام شكول « 2 »
وللحزن ثورات تجور على الفتى ، * كما صرعت هام الرّجال شمول
لقد كنت أوصي بالبكاء من الجوى * لو انّ غراما بالدّموع غسيل
فأمّا ، ولا وجد يزول بعبرة ، * فصبر الفتى ، عند البلاء ، جميل
وكم خالط الباكين من سنّ ضاحك ، * وبين رغاء الرّازحات صهيل « 3 »
وإنّي أراني لا ألين لحادث * له أبدا وطء عليّ ثقيل
وأغضي عن الأقدار ، وهي تنوبني ، * وما نظري ، عند الأمور ، كليل
يهوّن عندي الصّبر ما وقعت به * صروف اللّيالي ، والخطوب نزول
وما أنا بالمغضي على ما يعيبني ؛ * ولا أنا عن ودّ القريب أحول
ولا قائل ما يعلم اللّه ضدّه ، * ولو نال من جلدي قنا ونصول
ولولا أمير المؤمنين تحضّرت * بي البيد هوجاء الزّمام ذمول « 4 »
وطوّح بي ، في كلّ شرق ومغرب ، * زمان ضنين بالرّجاء بخيل
ولكنّه أعلى محلّي على العدا ، * وعلّم نطقي فيه كيف يقول
وعوّدني من جود كفّيه عادة ، * أعوج إليها بالمنى وأميل
يقولون : لو أمّلت في النّاس غيره ، * وهل فوقه للسّائلين مسول
ومن يك إقبال الخليفة سيفه ، * يلاق اللّيالي ، وهي عنه نكول
ومن كان يرمي عن تقدّم باعه * يصب سهمه أغراضه ويؤول « 5 »
هامش
( 1 ) الحبول : الداهية .
( 2 ) شكول : أشكال وأنواع .
( 3 ) الرغاء : صوت الجمل - الرازحات : النياق التي سقطت إعياء وهزالا .
( 4 ) تحضرت بي : عدت بي - الهوجاء : الناقة المسرعة - الذمول : التي تسير الذميل وهو سير متوسط .
( 5 ) يؤول : يرجع .