العرب وأخبارها ، وأشعارها ، وأنسابها ، ولغاتها ، وكانت ملوك بني أميّة تقدّمه ، وتؤثره وتسنّي برّه « 1 » .
وقال له الوليد بن يزيد « 2 » : بما استحققت هذا اللقب « 3 » فقيل لك : حمّاد الراوية ؟
قال : لأني أروي لكل شاعر يعرفه أمير المؤمنين ، أو سمع به ، ثم أروي لأكثر منهم ممن لا تعرف « 4 » بأنك لا تعرفهم ، ولا سمعت بهم ، ثم لا أنشد شعرا لقديم أو محدث إلّا ميّزت القديم منه من المحدث .
قال : إن هذا لعلم وأبيك كثير ، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر ؟ قال : كثير ، ولكنّي أنشدك على أيّ حرف شئت من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة « 5 » ، سوى المقطّعات من شعر الجاهلية . قال : سأمتحنك . وأمره الوليد بالإنشاد .
فأنشده حتى ضجر الوليد ، ثم وكّل به من استحلفه أن يصدقه عنه ، ويستوفي عليه . فأنشده ألفي قصيدة وتسعمائة قصيدة للجاهليّين ، وأخبر الوليد بذلك ، فأمر له بمائة ألف درهم .
وروى أحمد بن عبيد ، عن حمّاد أنّه قال « 6 » : كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك ، فكان هشام يجفوني لذلك ، فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام جفاني « 7 » ، ومكثت في بيتي سنة ، لا أخرج إلّا لمن أثق به من إخواني سرّا ، فلما لم أسمع أحدا يذكرني أمنت ، وخرجت فصلّيت الجمعة ، ثم جلست عند باب الفيل ، فإذا شرطيّان قد وقفا عليّ فقالا لي : يا حمّاد ، أجب الأمير يوسف بن عمر « 8 » .
فقلت في نفسي : هذا ما كنت أحذر : فصرت إليه ، فرمى كتابا إليّ فيه : من
هامش
( 1 ) في الأغاني وشرح أبيات المغني : " وتستزيره " . أي تطلب زيارته .
( 2 ) الأغاني 6 / 71 ؛ وشرح أبيات المغني 6 / 27 .
( 3 ) كذا في طبعات الخزانة والأغاني وشرح أبيات المغني .
( 4 ) في طبعة بولاق : " ممن لا تعترف " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية .
( 5 ) في شرح أبيات المغني 6 / 27 : " قصيدة طويلة " .
( 6 ) الأغاني 6 / 75 .
( 7 ) في الأغاني : " خفته " .
( 8 ) يستبعد أن تكون هذه القصة مع يوسف بن عمر الثقفي لأنه لم يكن واليا بالعراق في التاريخ المذكور ، بل كان على العراق وقتها خالد بن عبد الله القسري . . . فلعل البغدادي سهى والله أعلم .