الغرف كلّها التي في الجنّة من الثلاث إلى العشر .
وعذر ذلك عندي أنه قد كثر عنهم وقوع الواحد على معنى الجمع جنسا ، كقولنا : أهلك الناس الدينار والدرهم ، وذهب الناس بالشاة والبعير ، فلمّا كثر ذلك جاءوا في موضعه بلفظ الجمع الذي هو أدنى إلى الواحد أيضا ، أعني جمعي السالم « 1 » ، وعلم أيضا أنه إذا جيء في هذا الموضع بلفظ جمع الكثرة لا يتدارك معنى الجنسية ، فلهوا عنه ، وأقاموا على لفظ الواحد تارة ، ولفظ الجمع المقارب للواحد تارة أخرى ، إراحة لأنفسهم من طلب ما لا يدرك ويأسا منه .
فيكون هذا كقوله « 2 » : ( المتقارب )
رأى الأمر يفضي إلى آخر * فصيّر آخره أوّلا
ومثل هذين الجمعين مجيئهم في هذا الموضع بتكسير القلة « 3 » كقوله تعالى « 4 » :
« وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ »
، وقول حسان : وأسيافنا يقطرن ، ولم يقل : عيونهم ولا سيوفنا . وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتاب الخصائص . انتهى .
قال شيخنا ياسين الحمصي في « شرح ألفية ابن مالك » : اعلم أنّهم قالوا : إذا قرن جمع القلة بأل التي للاستغراق ، أو أضيف إلى ما يدلّ على الكثرة انصرف بذلك إلى الكثرة .
وعلى هذا الإيراد ما قاله النابغة على حسّان ، ويقال إنّ حسّان أجاب بذلك ، لكنّ قوله : أسيافنا لم يضف إلى ما يدلّ على الكثرة .
وعليك بحفظ هذه القاعدة ، فكثيرا ما يغفل عنها . وممن غفل عنها العلّامة ، والقاضي ، وصاحب المغني « 5 » في تفسير قوله تعالى « 6 » :
« ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ »
هامش
( 1 ) جاء رسم المحتسب للجملة : " أعني الجمع بالواو والنون ، والألف والتاء " .
( 2 ) البيت في الخصائص 1 / 209 ، 2 / 31 ، 170 ؛ وشرح المفصل 5 / 120 .
( 3 ) في طبعة بولاق : " بتكثير القلة " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية والمحتسب .
( 4 ) سورة التوبة : 9 / 92 .
( 5 ) في طبعة بولاق : " وصاحب والمغني " بزيادة الواو .
وفي النسخة الشنقيطية : " والمغني " . والوجه ما أثبتناه نقلا عن طبعة هارون 8 / 109 .
( 6 ) سورة لقمان : 31 / 27 .