يغسل الماء ما فعلت وقولي * راسخ منك في العظام البوالي
ثم ردّه إلى الحبس . وقيل لعبيد اللّه : كيف اخترت له هذه العقوبة ؟ قال : لأنّه سلح علينا فأحببت أن تسلح عليه الخنزيرة والهرّة .
ثم إن عبيد اللّه أرسله إلى أخيه بسجستان ، ووكّل به رجالا ، وكان لمّا هرب من عبّاد هجاه وكتب هجاءه على حيطان الخانات ، فأمر عبيد اللّه الموكّلين به أن يلزموه بمحو ما كتبه على الحيطان بأظافيره ، فكان يفعل ذلك حتّى ذهبت أظافيره ، فكان يمحو بعظام أصابعه .
وأمرهم أيضا أن لا يتركوه يصلّي إلّا إلى قبلة النّصارى إلى أن يسلموه إلى عبّاد ، فحبسه وضيّق عليه ، فلما طال حبسه استأجر رسولا إلى دمشق وقال له : إذا كان يوم الجمعة فقف على درج جامع دمشق ، ثم أنشد هذه الأبيات بأرفع ما يمكنك من صوت ، وهي « 1 » : ( البسيط )
أبلغ لديك بني قحطان قاطبة * عضّت بأير أبيها سادة اليمن « 2 »
أضحى دعيّ زياد فقع قرقرة * يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن « 3 »
والحميريّ طريح فوق مزبلة * هذا لعمركم غبن من الغبن
قوموا فقولوا : أمير المؤمنين لنا * حقّ عليك ومنّ ليس كالمنن « 4 »
فاكفف دعيّ زياد عن أكارمنا * ماذا تزيد على الأحقاد والإحن « 5 »
ففعل الرّسول ما أمر به ، فحميت اليمانية وغضبوا له ودخلوا إلى معاوية فسألوه فيه ، فدافعهم عنه ، فقاموا غضابا والشرّ يلمع في وجوههم ، فعرف ذلك معاوية منهم فوهبه لهم ، ووجّه رجلا من بني أسد يقال له خمخام ، بريدا إلى عبّاد ، وكتب له عهدا ، وأمره أن يبدأ بالحبس فيخرج ابن مفرّغ منه ، ويطلقه قبل أن يعلم عبّاد فيم
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان يزيد بن مفرغ ص 226 - 228 ؛ والأغاني 18 / 275 ؛ والوحشيات ص 20 .
( 2 ) يشير إلى أن اليمنيين قصروا في نصرة الشاعر وهو منهم ، فهو يلحاهم ويعنف عليهم لذلك .
( 3 ) الدعي : المتهم في نسبه ، يريد به عباد بن زياد ؛ وانظر في سبب تسميته : دعي زياد . وفقع قرقرة : الفقع :
البيضاء الرخوة من الكمأة ، وهو أردؤها . ويقال للذليل : هو أذل من فقع بقرقرة لأنه لا يمتنع على من اجتناه أو لأنه يوطأ بالأرجل . وذو يزن : ملك لحمير ، ويزن : بطن من حمير ، ويريد بابن ذي يزن نفسه .
( 4 ) المنّ : الصنيعة واليد والمعروف . والمنة : الإحسان . ومنّ عليه بما صنع : ذكره وعدد له ما فعله من الخير .
( 5 ) الإحن : جمع إحنة ، وهي الحقد والغضب والمعاداة .