جرير من فحول شعراء الإسلام ، وكان يشبّه بالأعشى ميمون ، وكان من أحسن النّاس تشبيبا « 1 » . قال الأصمعي : سمعت الحي يتحدثون عن جرير أنه قال : لولا ما شغلني من هذه الكلاب لشبّبت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى شبابها ، حنين الناقة إلى سقبها . وكان من أشد الناس هجاء » .
وقد أجمع علماء الشعر على أن جريرا والفرزدق والأخطل مقدّمون على سائر شعراء الإسلام ، واختلفوا في أيّهم أفضل ، وقد حكم مروان بن أبي حفصة بين الثلاثة بقوله « 2 » : ( الكامل )
ذهب الفرزدق بالفخار وإنّما * حلو الكلام ومرّه لجرير
ولقد هجا فأمضّ أخطل تغلب * وحوى اللهى بمديحه المشهور
فحكم للفرزدق بالفخار ، وللأخطل بالمدح والهجو ، ولجرير بجميع فنون الشعر .
قال المدائني : كان جرير أعقّ الناس لأبيه ، وكان ابنه بلال أعقّ الناس به « 3 » .
فراجع جرير بلالا في الكلام ، فقال بلال : الكاذب من ناك أمه ! فأقبلت عليه وقالت له : يا عدو الله أتقول هذا لأبيك ؟ ! قال جرير : فوالله لكأنّي أسمعها وأنا أقولها لأبي . ولما بلغ موت الفرزدق جريرا قال « 4 » : ( الكامل )
هلك الفرزدق بعد ما جدّعته * ليت الفرزدق كان عاش قليلا
ثم أطرق طويلا وبكى ، فقيل له : ما أبكاك ؟ قال بكيت على نفسي ، والله إني لأعلم أني عن قليل لاحقه ، فلقد كان نجمنا واحدا ، وكلّ واحد منا مشغول بصاحبه ، وقلما مات ضدّ أو صديق إلا تبعه الآخر . ثم أنشأ يرثيه « 5 » : ( الطويل )
هامش
( 1 ) في طبعتي بولاق والسلفية : « تشبيها » . وهو تصحيف صوابه من الشعر والشعراء 1 / 374 .
( 2 ) البيت الأول في الشعر والشعراء 1 / 377 .
( 3 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 80 ، قال الميمني : « الصواب » له « فإن عقّ لا يحتاج إلى الباء في التعدية » .
( 4 ) البيت مع خبره في ديوان جرير ص 635 ؛ والنقائض ص 1045 ؛ والأغاني 8 / 88 .
( 5 ) الأبيات في ديوانه ص 976 ؛ والنقائض ص 1046 ؛ والشعراء 1 / 392 . وفي جمهرة أنساب العرب ص 222 :
« هؤلاء يدعون اليراجم ، وهم : عمرو ، والظّليم ، وغالب ، وكلفة ، وقيس ، سمّوا بذلك لأن عددهم كان قليلا ، فقال لهم حارثة بن عامر بن عمرو بن حنظلة : « أيتها القبائل التي قلّ عددها ، تعالوا فلنجتمع ، فلنكن كبراجم اليد » .
وفي طبعتي بولاق والسلفية : « المراجم » . وهو تصحيف صوابه من الديوان والشعر والشعراء . -