وصعد المنبر « 1 » ، فأرتج عليه ، فقال : « أمّا بعد ، فقد يجد المعسر ويعسر الموسر ، وينفلّ الحديد ، ويقطع الكليل « 2 » ، وإنّ الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام ، ولقد يعزب البيان « 3 » ويعتقم الصّواب ، وإنّما اللسان بضعة من الإنسان ، يفتر بفتوره إذا نكل ، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل . وإنّا لا ننطق بطرا ، ولا نسكت « 4 » حصرا ، بل [ نسكت معتبرين « 5 » و ] ننطق مرشدين . وبعد ، فإنّا أمراء القول ، فينا وشجت أعراقه ، وإلينا تعطّفت أغصانه ، وعلينا تهدّلت ثمراته « 6 » ، فنجفي ما احلولى وعذب ، ونترك منه ما املولح وخبث ، ومن بعد مقامنا مقام ، ومن بعد أيامنا أيام يعرف فيها فضل البيان إن شاء اللّه ، وهو المستعان » .
وأرتج على خالد بن عبد اللّه القسريّ ، فقال « 7 » : « أيّها النّاس ، إنّ هذا القول « 8 » يجيء أحيانا ، ويعزب أحيانا ، فيتسبّب « 9 » عند مجيئه سببه ، ويعزّ عند ذهابه « 10 » طلبه ، وربّما طلب فأبى ، وكوبر فعسا « 11 » ، فالتّأنّي لمجيئه أيسر من التّعاطي لأبيّه « 12 » ، وقد يختلج من
هامش
( 1 ) الخطبة في ( زهر الآداب 2 / 285 ) مع اختلاف .
( 2 ) ينفل : يتثلّم ويتكسّر . والكليل من السيوف : الذي لا يقطع .
( 3 ) الإفحام : انقطاع الكلام والسكوت والعجز عن الجواب . ويعزب : يغيب .
( 4 ) بالمخطوط : « ولا أسكت حصرا » . وسكت حصرا ؛ أي : عن عيّ في منطقه وعدم القدرة على الكلام .
( 5 ) زيادة ما بين حاصرتين من المحقق عن ( زهر الآداب ) .
( 6 ) وشجت أعراق الكلام : تداخلت والتفت وتشابكت . والأعراق : ج العرق ، وهو أصل كل شيء وتهدّلت :
استرخت وتدلّت .
( 7 ) الخبر في ( عيون الأخبار 2 / 257 ، والعقد 4 / 148 ) مع اختلاف يسير . وارتج عليه : استغلق عليه الكلام .
( 8 ) في المرجع السابق : « هذا الكلام » .
( 9 ) في المرجع السابق : « فيسيح » .
( 10 ) فيه : « عند عزوبه » .
( 11 ) فيه : « ولربّما كوبر فأبى ، وعولج فنأى » . وكوبر الكلام : أخذ عنوة وقهرا . وعسا : اشتد وصعب .
( 12 ) فيه : « خير من التعاطي لأبيّه » . ويلي هذه العبارة : « وتركه عند تنكّره أفضل من طلبه عند تعذّره » .