مع الأمر الذي أعدّه اللّه له وآثره به ، ورأى أن شيئا لا يفي بقوام الذين ، وصلاح الأمر .
فلما أفضى اللّه إلى أمير المؤمنين بخلافته ، وأطلق الأمر في يده لم يكن شئ أحبّ إليه ، ولا آخذ بقلبه ، من المعاجلة للكافر وكفرته ، فأعزّه اللّه ، وأعانه اللّه ، فله الحمد على ذلك وتيسّره ، فأعدّ من أمواله أخطرها ، ومن قوّاد جيشه أعلمهم بالحرب ، وأنهضهم بالمعضلات ، ومن أوليائه وأبناء دعوته ودعوة آبائه - صلوات اللّه عليهم - أحسنهم طاعة ، وأشدّهم نكاية ، وأكثرهم عدّة ، ثم أتبع الأموال بالأموال ، والرجال بالرجال ، من خاصّة مواليه وعدد غلمانه ، وقبل ذلك ما اتّكل عليه من صنع اللّه جل وعز ، ووجّه إليه من رعيته . فكيف رأى الكافر اللّعين وأصحابه الملاعين ؟ ألم يكذب اللّه ظنونهم ، ويشف صدور أوليائه منهم ؟ يقتلونهم كيف شاءوا في كل موطن ومعترك ، ما دامت عند أنفسهم مقاومة .
فلما ذلّوا وقلّوا ، وكرهوا الموت ، صاروا لا يتراءون إلا في رؤوس الجبال ، ومضايق الطّرق ، وخلف الأودية ، ومن وراء الأنهار ، وحيث لا تنالهم الخيل ، حصنا للمطاولة ، وانتظارا للدوائر ، فكادهم اللّه عند ذلك ، وهو خير الكائدين ، واستدرجهم حتى جمعهم إلى حصنه معتصمين فيه عند أنفسهم ، فجعلوا اعتصامهم لحين « 1 » لهم ، وصنع لأوليائه ، وإحاطة منه به تبارك وتعالى ، فجمعهم وحصرهم لكيلا تبقى منهم بقية ، ولا ترجى لهم عاقبة ، ولا يكون الدين إلا للّه ، ولا العاقبة إلا لأوليائه ، ولا التعس والنّكس إلّا لمن خذله .
فلما حصرهم اللّه ، وحبسهم عليهم ، ودانتهم « 2 » مصارعهم ، سلّطهم اللّه عليهم كيد واحدة ، يختطفونهم بسيوفهم ، وينتظمونهم « 3 » برماحهم ، فلا يجدون
هامش
( 1 ) الحين : الهلاك .
( 2 ) دانتهم : أي قاربتهم .
( 3 ) انتظمه بالرمح : أختله .