الزبير ، وهما من الموعودين بالجنة ، والمبشّر قاتل أحدهما « 1 » بالنار في الآخرة ، هذا إلى تشريدك « 2 » بأم المؤمنين عائشة ، وإحلالهما محلّ الهون « 3 » ، مبتذلة بين أيدي الأعراب ، وفسقة أهل الكوفة ، فمن بين منتهر « 4 » لها ، وبين شامت بها ، وبين ساخر منها ، ترى ابن عمك كان بهذه العوراء « 5 » راضيا ؟ أم كان يكون عليك ساخطا ، ولك عنه زاجرا أن تؤذى أهله ، وتشرّد بحليلته ، وتسفك دماء أهل ملته !
ثم تركك دار الهجرة التي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنها : « إن المدينة لتنفى خبثها ، كما ينفى الكير خبث الحديد « 6 » » فلعمري لقد صحّ وعده ، وصدق قوله ، ولقد نفت خبثها ، وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها ، فأقمت بين المصرين ، وبعدت عن بركة الحرمين ، ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة ، وبمجاورة الخورنق والحيرة ، عوضا عن مجاورة خاتم النبوة .
ومن قبل ذلك ما عيّبت خليفتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيام حياتهما ، فقعدت عنهما ، وألّبت « 7 » عليهما ، وامتنعت من بيعتهما ، ورمت أمرا لم يرك اللّه تعالى له أهلا ، ورقيت سلّما وعرا ، وحاولت مقاما دحضا « 8 » ، وادّعيت ما لم تجد عليه ناصرا ، ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلا فسادا واضطرابا ، ولا أعقبت
هامش
( 1 ) هو الزبير بن العوام ، وذلك أنه لما انهزم أصحاب عائشة يوم الجمل ، انصرف الزبير حتى أتى وادى السباع ، فتبعه عمرو بن جرموز فقتله في الفلاة وأتى عليا بسيفه فقال على : سيف طالما جلى الكرب عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لكنه الحين ومصارع السوء ، وبشر قاتل ابن صفية بالنار ، قال ابن أبي الحديد ، « وقوله : بشر قاتل ابن صفية بالنار ، اختلف فيه ، فقال قوم من أرباب السير وعلماء الحديث : هو كلام أمير المؤمنين عليه السلام غير مرفوع ، وقوم منهم جعلوه مرفوعا ، وعلى كل حال فهو حق لأن ابن جرموز قتله موليا خارجا من الصف مفارقا للحرب ، فقد قتله على توبة وإنابة ورجوع عن الباطل ، وقاتل هذه حاله فاسق مستحق للنار » .
( 2 ) شرده : طرده ، وشرد به سمع بعيوبه .
( 3 ) الهون : الذل .
( 4 ) انتهره ونهره : زجره .
( 5 ) العوراء : الفعلة ( والكلمة ) القبيحة ، ويعنى بابن عمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحليلته :
زوجته ، يعنى عائشة .
( 6 ) كير الحداد : منفاخه ، وخبث الحديد : ما نفاه الكير منه ، وهو ما لا خير فيه .
( 7 ) التأليب : التحريك .
( 8 ) مكان دحض بالفتح ويحرك زلق .