كيف ترى حالك معي ؟ فقال : « فوق قدرى ، ودون قدرك « 1 » » ، فأطرق المنصور كالغضبان ، فانسلّ الرّمادىّ وخرج وقد ندم على ما بدر منه ، وجعل يقول : أخطأت ! لا واللّه ، ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق ، ما كان ضرّنى لو قلت له : إني بلغت السماء ، وتمنطقت بالجوزاء ! وأنشد :
متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة * لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
وكان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور ، فوجد فرصة فقال :
« وصل اللّه لمولانا الظفر والسعد ، إن هذا الصّنف صنف زور وهذيان ، لا يشكرون نعمة ، ولا يرعون إلّا « 2 » ولا ذمّة ، كلاب من غلب ، وأصحاب من أخصب ، وأعداء من أجدب ، وحسبك منهم أن اللّه جل جلاله يقول فيهم :
« وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ »
والابتعاد منهم أولى من الاقتراب ، وقد قيل فيهم : ما ظنّك بقوم الصدق يستحسن إلّا منهم ؟ » .
* * * فرفع المنصور رأسه - وكان محامي أهل الأدب والشعر - وقد اسودّ وجهه ، وظهر فيه الغضب المفرط ، ثم قال :
« ما بال أقوام يشيرون في شيء لم يستشاروا فيه ، ويسيئون الأدب بالحكم فيما لا يدرون ، أيرضى أم يسخط ؟ وأنت أيها المبتعث للشرّ دون أن يبعث ، قد علمنا غرضك ، في أهل الأدب والشعر عامّة ، وحسدك لهم ، لأن الناس كما قال القائل :
هامش
بالحاجب المنصور ، ونفذت الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه ، وأمر بالدعاء له على المنابر باسمه عقب الدعاء الخليفة ، ولم يبق لهشام من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء له على المنابر ، وكتابة اسمه في السكة والطرر ، وهلك المنصور أعظم ما كان ملكا سنة 394 ه لسبع وعشرين سنة من ملكه .
( 1 ) يريد « ودون ما ينبغي أن يعطيه مثلك لمثلى » .
( 2 ) الإل : العهد .