الطائف ، وهم الذين خطّوا مشاربها ، وأتوا جداولها « 1 » ، وأحيوا غراسها ، ورفعوا عريشها ، ثم قال : وإن حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها ، وكهول الناس وأغمارها « 2 » ورؤوس الملوك وعرارها ، فكان لهم البيضاء والسوداء ، وفارس الحمراء ، والجزية الصفراء « 3 » ، فبطروا النعم ، واستحقوا النّقم ، فضرب اللّه بعضهم ببعض ، ثم قال : وإن قبائل من الأزد نزلوا على عهد عمرو بن عامر ، ففتحوا فيها الشرائع « 4 » ، وبنوا فيها المصانع « 5 » ، واتخذوا الدسائع « 6 » ، ثم ترامت مذحج بأسنّتها ، وتنزّت « 7 » بأعنّتها ، فغلب العزيز أذلّها ، وقتل الكثير أقلها ، ثم قال : وكان بنو عمرو ابن خالد بن جذيمة يخبطون عضيدها « 8 » ، ويأكلون حصيدها ، ويرشّحون « 9 » حصيدها » .
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن نعيم الدنيا أفل وأصغر عند اللّه من خرء بعيضة ، ولو عدلت عند اللّه جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق ، ولا لمسلم منها لحاق » .
( العقد الفريد 1 : 110 )
23 - خطبة مالك بن نمط بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم
وقدم وفد همدان على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفيهم مالك بن نمط أبو ثور فقام بين يديه ثم قال :
هامش
( 1 ) أتى الماء تأتية سهل وأصلح مجراه ، أي سهلوا طرق المياه إليها .
( 2 ) جمع غمر مثلث الغين :
وهو الحدث لا تجربة له ، والعرار : الرفعة والسؤدد .
( 3 ) أي الذهبية .
( 4 ) جمع شريعة ، وهي مورد الشاربة كالمشرعة .
( 5 ) المباني من القصور والحصون .
( 6 ) جمع دسيعة ، وهي الجفنة والدسكرة .
( 7 ) تنزى : توثب وتسرع .
( 8 ) العضيد : ما قطع من الشجر ؛ أي يضربونه ليسقط ورقه فيتخذوه علفا لإبلهم .
( 9 ) الترشيح : التربية وحسن القيام على المال ، والخضيد : ما خضد من الشجر ونحى عنه ، وكل ما قطع من عود رطب ( فعيل بمعنى مفعول ) أي يصلحونه ويقومون بأمره .