ثمّ نزل فصلّى الظهر ، ثمّ رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى ، فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم ، فأعطاه عوضها ، ثم قال : « أيها الناس ، من كان عنده شيء فليؤدّه ولا يقل فضوح الدنيا ، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة » ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ، ثم قال : « إن عبدا خيره اللّه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده ، فبكى أبو بكر ، وقال : فديناك بأنفسنا وآبائنا » .
( تاريخ الطبري 2 : 191 : والكامل لابن الأثير 2 : 154 )
15 - خطبة أكثم بن صيفي يدعو قومه إلى الإسلام
لما ظهر النبي عليه الصلاة والسلام بمكة ، ودعا الناس إلى الإسلام بعث أكثم ابن صيفي ابنه حبيشا ، فأتاه بخبره ، فجمع بنى تميم وقام فيهم خطيبا فقال :
« يا بنى تميم : لا تحضرونى سفيها ، فإنه من يسمع يخل « 1 » ، إن السفيه يوهن من فوقه ، ويتبّب من دونه « 2 » . لا خير فيمن لا عقل له . كبرت سنّى ودخلتنى ذلّة ، فإذا رأيتم منى حسنا فاقبلوه ، وإن رأيتم منى غير ذلك فقوّمونى أستقم . إنّ ابني شافه هذا الرجل مشافهة ، وأتاني بخبره ، وكتابه يأمر فيه بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويأخذ فيه بمحاسن الأخلاق ، ويدعو إلى توحيد اللّه تعالى ، وخلع الأوثان ، وترك الحلف بالنيران ، وقد عرف ذوو الرأي منكم أنّ الفضل فيما يدعو إليه ، وأن الرأي ترك
هامش
( 1 ) خال : ظن ، ومضارعه إخال بالكسر وهو الأفصح ، وبنو أسد يقولون أخال بالفتح وهو القياس ، وقوله « من يسمع يخل » مثل ، معناه من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه .
( 2 ) في مجمع الأمثال « ويثبت من دونه » من أثبته : أي أثخنه بالجراح ، والمعنى يضعف ويوهن ، ومنه قوله تعالى :« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ »ليثبتوك : أي ليجرحوك جراحة لا تقوم معها أو ليحبسوك ، وفي سرح العيون « ويتبب من دونه » من تببه بالتشديد : أي أهلكه ، ومنه قوله تعالى :« وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ».