قال المسلمون : يا أمير المؤمنين ، لو ركبت غير بعيرك جوادا ، ولبست ثيابا ، لكان ذلك أعظم لهيبتك في قلوب أعدائك ؛ وأقبلوا يسألونه ، ويطوفون به إلى أن أجابهم إلى ذلك ، ونزع مرقعته ، ولبس ثيابا بيضا - قال الزبير : أحسبها كانت من ثياب مصر ، تساوي خمسة عشر درهما - وطرح على كتفه منديلا من الكتّان دفعه إليه أبو عبيدة ، وقدّم له برذونا أشهب من براذين الرّوم . فلمّا صار عمر فوقه ، جعل البرذون يهملج به ، فلمّا نظر عمر إلى ذلك ، نزل مسرعا ، وقال : أقيلوني عثرتي أقالكم اللّه عثراتكم يوم القيامة ، لقد كاد أميركم يهلك ممّا داخله من الكبر .
ثمّ إنّه نزع البياض ، وعاد إلى لبس مرقعته وركوب بعيره ، فعلت ضجّة المسلمين بالتّهليل والتّكبير ، فقال البطرك للرّوم :
انظروا ما شأن العرب ، فأشرف رجل من المتنصّرة ، فقال : يا معشر العرب ، ما قضيّتكم ؟ فقالوا : إنّ عمر بن الخطاب قد قدم علينا من مدينة نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، فرجع المتنصّر وأعلم البطرك ، فأطرق ولم يتكلّم .
فلمّا كان من الغد صلّى عمر بالمسلمين صلاة الفجر ، ثم قال لأبي عبيدة : تقدّم إلى القوم ، وأعلمهم أني قد أتيت . فخرج أبو عبيدة . وصاح بهم : إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد أتى ، فما تصنعون فيما قلتم ؟ فأعلم البطرك بذلك ، فخرج من قمامة ، وعليه المسوح ، ومن حوله الرهبان والقسس . ثم علا الصور ، وأشرف على أبي عبيدة ، وقال : ما هذا أيها الشيخ ؟ قال أبو عبيدة : هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فقال البطرك : قل له يدنو مني ، فإنّا نعرفه بصفاته ونعته ، وأفردوه من بينكم حتى نراه . فرجع أبو عبيدة إلى عمر فأخبره بما قال البطرك ، فهمّ عمر بالقيام ، فقال له أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يخشى عليك من الانفراد بلا عدّة . فقال عمر :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
[ التوبة : 51 ] .
ثم لبس مرقعته ، وركب بعيره ، وأبو عبيدة سائر بين يديه إلى أن أتى بإزاء البطرك قريبا من الحصن ، فقال أبو عبيدة : هذا أمير المؤمنين .
فمدّ البطرك عنقه ، ونظر إليه فزعق زعقة ، وقال : هذا واللّه الذي صفته ونعته في كتبنا ، ثم قال : يا أهل بيت المقدس ، انزلوا إليه ، وخذوا منه الأمان والذّمّة ، فهذا واللّه صاحب محمد بن عبد اللّه .
فنزلوا مسرعين - وكانت أنفسهم قد ضاقت من شدة الحصار - وفتحوا الباب ، وخرجوا إلى عمر يسألونه العهد .
فلمّا رآهم عمر رضي اللّه عنه في تلك الحالة ، تواضع للّه تعالى ، وخرّ ساجدا