قال السهيليّ نوّر اللّه ضريحه في الروض الأنف : هذا من باب النظر في حكمة اللّه .
ونقل في الروض الأنف أيضا عن هشام بن السائب أن أبا طالب لمّا حضرته الوفاة ، جمع وجوه قريش ، وقال لهم : إنكم صفوة اللّه من خلقه ، وقلب العرب ، وفيكم السيد المطاع ، وفيكم المتقدّم الشجاع ، والواسع الباع ، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلّا أحرزتموه ، ولا شرفا إلا أدركتموه ، فلكم على الناس بذلك الفضيلة ، ولهم به إليكم الوسيلة ، والناس لكم حرب ، وعلى حربكم إلب ، وإنّي أوصيكم بتعظيم هذه البنيّة ، فإن فيها مرضاة للرّب ، وقواما للمعاش ، وثباتا للوطأة . صلوا أرحامكم ولا تقطعوها ، فإن في صلة الرّحم منسأة في الأجل ، وزيادة في العدد ، واتركوا البغي والعقوق ، ففيهما هلكت القرون قبلكم ، وأجيبوا الدّاعي ، وأعطوا السائل ، فإن فيهما شرف الحياة والممات ، وعليكم بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، فإنّ فيهما محبّة في الخاص ، ومكرمة في العام . وأنا أوصيكم بمحمد خيرا ، فإنه الأمين في قريش ، والصديق في العرب ، وهو جامع لكل ما أوصيكم به ، وقد جاء - قبله الجنان ، وأنكره اللّسان مخافة الشّنآن . وأيم اللّه كأني أنظر إلى صعاليك العرب ، وأهل البرّ في الأطراف ، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته ، وصدّقوا كلمته ، وعظّموا أمره ، فخاض بهم غمرات ، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ، ودورها خرابا ، وضعفاؤها أربابا ، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ، وأصفت له فؤادها ، وأعطته قيادها . دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم ، كونوا له ولاة ، ولحزبه حماة ، وو اللّه لا يسلك أحد منكم سبيله إلّا رشد ، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد ، ولو كان لنفسي مدّة ، ولأجلي تأخير لكفيت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدّواهي . ثم هلك « 1 » .
* * *
حنان أبي بكر
ومن شهيّ المجتنى من ثمرات الأوراق ما روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه مرّ على طائفة بالمدينة أيام خلافته ، فإذا بجارية تبكي وتقول :
وهويته من قبل قطع تمائمي * متناشيا مثل القضيب النّاعم
فكأنّ نور البدر سنّة وجهه * يمشي ويصعد من ذؤابة هاشم
فقرع الباب فخرجت إليه ، فقال لها : أحرّة أنت أم أمة ؟ فقالت : بل أمة يا صاحب رسول اللّه ، فقال : من هويت ؟ فبكت وقالت : بحق صاحب هذا القبر إلا
هامش
( 1 ) الروض الأنف : 1 / 259 .