فقلت : أجيزها على فعلها . فقالت : ادفع إليها جميع ما تأخّر معك . قال : فدفعته إليها ، ودخلت إلى مكة فما بتّ تلك الليلة إلا مديونا . وأقام مالك رضي اللّه عنه يحمل إليّ في كل عام مثل ما كان دفع إليّ أولا إحدى عشرة سنة . فلمّا مات ضاق بي الحجاز ، وخرجت إلى مصر ، فعوّضني اللّه عبد اللّه بن عبد الحكم فقام بالكلفة .
فهذا جميع ما لقيته في سفري فافهم ذلك يا ربيع .
قال الربيع : وسألني المزنيّ إملاء ذلك بحضرته ، فما وجدنا للمجلس فرغة فما وقع كتاب السّفر إلى أحد غيري .
* * *
من أخبار أبي طالب
ومن لطائف المنقول ما نقله القرطبيّ في كتابه المسمّى بالإعلام عن صدق محبّة أبي طالب لسيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يوما ، وأراد أن يصلّي . فلمّا دخل في الصلاة ، قال أبو جهل - لعنه اللّه : من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام عبد اللّه بن الزّبعرى ، وأخذ فرثا ودما ، فلطّخ به وجه النّبي صلى اللّه عليه وسلم . فانتقل النّبي صلى اللّه عليه وسلم من صلاته ، وأتى إلى أبي طالب عمّه ، وقال : يا عمّ ، ألا ترى ما فعل بي ؟ فقال له أبو طالب : من فعل بك هذا ؟ فقال النّبي صلى اللّه عليه وسلم : عبد اللّه بن الزّبعرى ؛ فقام أبو طالب ، فوضع سيفه على عاتقه ، ومشى حتى أتى القوم ، فلمّا رأوه قد أقبل نهضوا له ، فقال أبو طالب : واللّه إن قام رجل جلّلته بسيفي هذا ، ثم قال : يا بنيّ ، من الفاعل بك هذا ؟ فقال : عبد اللّه بن الزّبعرى ، فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ وجوههم ولحاهم ، وثيابهم ، وأساء لهم القول . فنزلت هذه الآية الشّريفة :
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
[ الأنعام : 26 ] فقال النّبي صلى اللّه عليه وسلم : يا عمّ نزلت فيك آية ، قال : وما هي ؟ قال : تمنع قريشا أن يؤذوني ، وتأبى أن تؤمن بي ! فقال أبو طالب :
واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسّد في التّراب دفينا « 1 »
فاصدع بأمرك قد زعمتك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنّه * من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة * لوجدتني سمحا بذاك يقينا
وقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه ، هل تنفع نصرة أبي طالب ؟ قال : نعم .
رفع عنه بذلك الفعل أنّه لم يقرن مع الشّياطين ، ولم يدخل جبّ الحيّات والعقارب ، إنّما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه ، وهو أهون أهل النّار عذابا .
هامش
( 1 ) ديوانه : 177 .