أعرف مثلك ؛ فباللّه يا مولاي من أنت لأعرف نديمي الّذي منّ اللّه عليّ به في هذه الليلة ! فأخذت أورّى [ عليه ] « 1 » وهو يقسم عليّ فأعلمته ، فوثب قائما ، وقال قد عجبت أن يكون هذا الفضل إلا لمثلك ، ولقد أسدى إليّ الزّمان يدا لا أقوم بشكرها ، ومتى طمعت بأن تزورني الخلافة في منزلي ، وتنادمني ليلتي ! ما هذا إلا في المنام !
فأقسمت عليه أن يجلس فجلس ، وأخذ يسألني عن السّبب في حضوري عنده بألطف معنّى ؛ فأخبرته بالقصّة من أوّلها إلى آخرها ، وما سترت منها شيئا . ثم قلت :
أمّا الطعام فقد نلت منه بغيتي ، فقال : والكفّ والمعصم إن شاء اللّه . ثم قال : يا فلانة ، قولي لفلانة تنزل ؛ ثم جعل يستدعي واحدة بعد واحدة ؛ يعرضها عليّ وأنا لا أرى صاحبتي ؛ إلى أن قال : واللّه ما بقي إلا أمّي وأختي ، واللّه لتنزلانّ . فعجبت من كرمه وسعة صدره ، فقلت : جعلت فداك ! تبدأ بالأخت ؟ قال : حبّا وكرامة ؛ ثم نزلت أخته ، فأراني يدها ، فإذا هي التي رأيتها ، فقلت : هذه الحاجة . فأمر غلمانه لوقته وأحضروا الشهود ، وأخرج بدرتين . فلمّا حضر الشهود ، قال لهم : هذا سيّدنا إبراهيم بن المهدي يخطب أختي فلانة ، وأشهدكم أني قد زوّجتها له ، وأمهرتها منه عشرين ألف درهم . فقلت : قبلت ذلك ورضيت ؛ فشهدوا علينا ، فدفع البدرة الواحدة إلى أخته ، والأخرى فرّقها على الشّهود .
ثم قال : يا سيّدي ، أمهّد لك بعض البيوت ، فتنام مع أهلك ؟ فأحشمني ما رأيت من كرمه ، وتذمّمت أن أخلو بها في داره ، ثم قلت : بل أحضر عمارتي وأحملها إلى منزلي ، فقال : افعل ما شئت .
فأحضرت عمارتي ، وحملتها إلى منزلي ؛ فوحقّك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليّ من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا على سعتها ، فأولدتها هذا الغلام القائم بين يدي أمير المؤمنين !
فعجب المأمون من كرم هذا الرجل ؛ وقال : للّه درّه ! ما سمعت قطّ بمثلها .
وأمر إبراهيم بإحضار الرّجل ليشاهده ، فأحضره بين يديه ، فاستنطقه فأعجبه وصيّره من جملة خواصّه ومحاضريه « 2 » .
* * *
مشيئة ابن معمر
ومن غريب المنقول أن فتى من ذوي النّعم قعد به زمانه ، وكانت له جارية حسناء ، محسنة في الغناء ، فضاق بهما الخناق ، واشتدّ بهما الحال في عدم ما يقتاتان
هامش
( 1 ) من المستجاد .
( 2 ) المستجاد : 53 - 63 مع تصرف واختصار .