قاضيا على أهل مكّة يوم الفتح ، وأنا أكبر من معاد بن جبل حين وجّهه به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاضيا على أهل اليمن ، وأنا أكبر من كعب بن سور حين ولّاه عمر بن الخطّاب قاضيا على أهل البصرة ، قال : فعظم في أعين أهل البصرة وهابوه .
ومن المنقول من كتاب الأذكياء أنّ بعض اللّصوص دخل بيتا ومعه جماعة تحت أمره ونهيه في القتل والسّرقة ، فظفروا بصاحب البيت ، وأوقفوه للقتل فدخل « 1 » عليهم في إبقاء روحه « 2 » ، وأخذ ما في البيت بكماله ، فقال كبيرهم : حلّفوه بالطّلاق الثّلاث ، وعلى المصحف [ الشريف ألا يذكرنا إلا بخير ، فحلف لهم بالطلاق الثلاث وعلى المصحف ] « 3 » ألا يعلم بهم أحدا ، فأصبح الرجل يرى اللّصوص يبيعون متاعه ، ولا يقدر أن يتكلم لأجل اليمين . فجاء إلى الإمام أبي حنيفة ، وأعلمه بحاله « 4 » ، فقال له :
أحضر أكابر حيّك ، وأعيان جيرانك ، وإمام جماعتك ، فلمّا حضروا قال لهم أبو حنيفة : هل تحبّون أن يردّ اللّه على هذا الرجل متاعه ؟ قالوا : نعم ، فقال : أجمعوا كلّ ذي عرق منهم ، فأدخلوهم الجامع ، ثم أخرجوهم واحدا واحدا ، وكلّما خرج منهم واحد قولوا : هذا لصّك ، فإن كان ليس بلصّ قال : لا ، وإن كان لصّه فيسكت ، فإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ذلك ، فردّ اللّه عليه جميع ما سرق له « 5 » .
ومنه أنّ الربيع صاحب المنصور كان يعادي أبا حنيفة ، فحضر يوما عند أمير المؤمنين ، فقال الربيع : يا أمير المؤمنين ، إنّ أبا حنيفة يخالف جدّك ابن عبّاس ، وكان جدّك يقول : إذا حلف الرجل على شيء يمينا ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين كان ذلك جائزا ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز الاستثناء « 6 » إلّا متّصلا باليمين ، فقال أبو حنيفة : يا أمير المؤمنين ، إنّ الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب جندك عهد . قال :
كيف [ ذلك ] « 7 » ؟
قال : يحلفون لك ، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون ، فتبطل أيمانهم . فضحك المنصور ، وقال : يا ربيع ، لا تتعرّض لأبي حنيفة « 8 » .
ومنه أن الإمام أبا حنيفة رضي اللّه عنه قال : دخلت البادية فاحتجت إلى الماء ،
هامش
( 1 ) في ط : « فتدخل » .
( 2 ) ط : « مهجته » .
( 3 ) تكملة من ب .
( 4 ) في ب : « بالحال » .
( 5 ) الأذكياء 45 ، 46 .
( 6 ) ط : « وأبو حنيفة لا يجوز ذلك إلا متصلا » .
( 7 ) تكملة من ب ، ط .
( 8 ) الأذكياء : 46 .