ساعة حتى ظنّ من حضر من أهله أنه قد قضى ، ثم أفاق وهو يقول : لبّيكما لبّيكما ، ها أنا ذا لديكما ، لا بريء فأعتذر ، ولا قوىّ فأنتصر . ثم إنّه بقي يحدّث من حضره ساعة ، ثم أغمي عليه مثل المرتين الأوليين ، حتّى يئسوا من حياته ، وأفاق وهو يقول : لبّيكما لبّيكما ، ها أنا ذا لديكما محفوف بالنعم ، محفوظ من الريب :
إن تغفر اللّه تغفر جمّا * وأىّ عبد لك لا ألمّا
ثم أقبل على القوم ، فقال : قد جاء وقتي ، فكونوا في أهبتى ، وحدثهم قليلا ، ثم يئس القوم من موته ، وأنشأ يقول :
كلّ عيش وإن تطاول دهرا * قصره مرّة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما إن بدا لي * في رؤوس الجبال أرعى الوعولا
اجعل الموت نصب عينيك واحذر * غولة الدهر إن للدّهر غولا
ثم قضى نحبه ، ولم يؤمن بالنبىّ عليه السلام .
لما احتضر سيبويه ، جعل رأسه في حجر أخيه ، فقطرت قطرة من دموع أخيه على وجهه ، فأفاق من غشيته ، وقال :
أخيّين كنّا فرّق الدّهر بيننا * إلى المنزل الأقصى ومن يأمن الدّهرا « 1 »
هامش
( 1 ) عيون الأخبار 2 / 312 .