يكفّ ، وصديق لا يعين ، وجار لا يستر ، وجاهل لا يتعلّم ، ومتعلّم لا يتحرّج ، وقاض لا ينصف ، وشاهد لا يصدق ، وتاجر لا يتورّع ، وعدوّ لا يتّقي ، ومؤذ لا يفتر ، فهل ترى لمثلي بعد ما عددته قرارا ، أو تجد لأحد عليه اصطبارا ؟ واللّه لو عنّ لي رأي في الصبر عليه لملكته ، ولو بدا لي طريق في السّكوت عنه لسلكته ، ولكنّي ذو صدر جيّاش ، وعقل مفتون .
وأقطع حديث هذا الرجل ، فإنّه كان يكثر من هذا الفنّ ، ويأتي فيه بكلّ ما توهّم « 1 » وظن ، وكان ذا عارضة عريضة ، ولسان بليل ، وقلب مكويّ ، وركيّة غزيرة ، وله مذاهب استأثر بها ، وتوحّد فيها ، وأشياء طريفة كان يكتمها ، ولا يعرب « 2 » عنها ، وكان من كبار المعتزلة ، ولكنّه خالفهم ، وأفرط في التّشنيع عليهم ، وتناهى في تتبّع قبائحهم . ولقد قال هذا الرجل قولا ، ووجد عيبا ، فركب جوادا ، وسلك جددا ، وأصاب بددا « 3 » ، وعرف داء ، وطلب دواء ، ولو استوى لك أن تكذّبه ، وتزيّف قوله ، وتردّ عليه دعواه لفعلت ، ولكن كما قد علمت أنّ ما طوى أكثر مما نشر ، وما دفن أخبث ممّا أنشر ، وما أشار إليه أقبح ممّا نصّ عليه ، وما روي عنه أفحش مما أفصح به .
فانتفع - حفظك اللّه - بسماع ما روي لك ، وعرض على عقلك ، ونيط بفهمك ، وقرب من سمعك ، ولاح لعينك « 4 » ، وعالج نفسك بمقت الهوى ، وأودع قلبك برد اليقين ، وحدّث « 5 » سرّك بالإقلاع ، وخف عاقبة الإصرار ، وراقب إلهك في السّرّ والجهر ، والتفت إلى حظّك بالاختيار
هامش
( 1 ) ل : يتوهم .
( 2 ) ل : يتعرب ( دون إعجام ) .
( 3 ) ل : مددا .
( 4 ) ل : ولوح بعينك .
( 5 ) ل : وحادث .